لم يعد الصراع في منطقة الشرق الأوسط مجرد توتر عابر، بل تحول إلى معادلة معقدة تتقاطع فيها المصالح الدولية مع حسابات الردع العسكري، وفي ظل التطورات المتسارعة وما يتردد عن استهداف المنشآت الحيوية في إيران، يطرح المشهد تساؤلات وجودية حول مصير المنطقة وأمن الطاقة العالمي.

يقدم الدكتور محمد صادق إسماعيل، أستاذ العلوم السياسية ومدير المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، لـ”القصة” رؤية نقدية لهذه الأزمة، واضعاً صناع القرار أمام سيناريوهات قاتمة قد لا تقتصر تداعياتها على أطراف النزاع فحسب، بل قد تمتد لتطال الاستقرار العالمي بأسره.
عقدة المنشآت النووية: ضغط أم مغامرة؟
يشير الدكتور صادق إلى أن القضاء على البرنامج النووي الإيراني كان هدفاً معلناً منذ بداية الحرب، ومع ذلك، فإن الحديث الذي يروج له “ترامب” حول ضرب تلك المنشآت ليس بالسهولة المتوقعة، فالأمر لا يتوقف عند التحصينات العسكرية الإيرانية المشددة حول هذه المواقع، بل يمتد إلى مخاوف كارثية من “الانبعاثات” التي قد تسبب ضرراً بيئياً و بشرياً واسع النطاق عالمياً.
ويرى أن التلويح بضرب المفاعلات هو نوع من “الضغط العسكري”، مرجحاً أن تكتفي الولايات المتحدة باستهداف منشآت حيوية أخرى مثل “نطنز” أو “جزيرة خرج”، دون الصدام المباشر الذي يفجر أزمة بيئية دولية.
المستنقع الإيراني وضغوط الداخل الأمريكي
يصف مدير المركز العربي للدراسات الوضع الحالي بأن الولايات المتحدة قد دخلت بالفعل في “المستنقع الإيراني”، وهي تبحث الآن عن مخرج بأي ثمن. هذا المأزق ولد ضغوطاً هائلة على إدارة ترامب من اتجاهين: الإعلام الأمريكي: الذي يتساءل بحدة عن جدوى الدخول في حرب يرى البعض أن إسرائيل هي من استدرجت واشنطن إليها. الحزب الديمقراطي الذي يتهم ترامب بتوريط البلاد في حرب “لا تنتهي” مع الجانب الإيراني، مما قد يستنزف القوة الأمريكية لسنوات طويلة.
حروب الاستنزاف وتوازن الردع
المسألة وفقاً لرؤية الدكتور صادق لن تحسم بانتصار ساحق أو هزيمة خاطفة، بل هي حرب استنزاف طويلة المدى تطال الجميع: عسكرياً وأمنياً: استنزاف للقدرات الإيرانية والإسرائيلية على حد سواء “خاصة بعد أحداث مفاعل ديمونة.
اقتصادياً: العالم كله يقع تحت وطأة هذا الصراع، كون منطقة الخليج هي الشريان الأبرز لإنتاج الطاقة عالمياً، وتأثرها يعني تأثر الاقتصاد العالمي برمته.
ثلاثة سيناريوهات للمستقبل
يرسم الدكتور محمد صادق إسماعيل 3 مسارات محتملة للخروج من هذه الأزمة، معتبراً أن “مائدة التفاوض” هي المخرج الوحيد الفعال،
الاستمرارية: بقاء الحال على ما هو عليه من عمليات عسكرية متبادلة وردود فعل مستمرة دون حسم.
التفاوض بوساطة “بريكس”: دخول مجموعة “بريكس” على خط الأزمة لإقناع الأطراف بالجلوس إلى طاولة الحوار وإنهاء العمليات العسكرية.
السيناريو الكارثي: توسع نطاق العنف لتدخل دول أخرى في صراع مباشر، مما يحول المنطقة إلى “منطقة صراع عالمية”، وهو ما يراه الدكتور نتيجة محتملة لـ “عدم رجاحة” تصرفات ترامب، مما قد يؤدي لنتائج كارثية على البشرية.
إن أزمة مضيق هرمز واستقرار الطاقة العالمي لن يجدا طريقهما للحل إلا عبر القنوات السياسية، بعيداً عن الاستنزاف المتبادل الذي يهدد بحرق الأخضر واليابس في حال استمرار الانزلاق نحو الحرب الشاملة.