ربما لا يروق مضمون هذا المقال لكثير من مُلاك الصحف الخاصة، ورؤساء مجالس إدارات وتحرير الصحف القومية والحزبية أيضًا، ولكن لأن الكلمة أمانة فسأقولها، ورزقي على الله.
إن مقالي هذا، والذي ربما لا يجد له نافذة للنشر، هو نفثة مصدور، ودمعة حارة تذرفها عين كل غيور على مهنة الصحافة، التي تلفظ أنفاسها الأخيرة، بعدما وصلت إلى هذه الحالة المتردية؛ بسبب العاملين فيها أولًا وأخيرًا، دون إلقاء اللائمة على مسؤول بعينه أو صانع قرار؛ لأنه بالإرادة يُنال المراد، ولكن بالسفسطة و«طق الحنك»، فلن نتزحزح عن مكاننا خطوة واحدة.
إن الصحافة، خاصة الورقية، سواء في مصر أو الدول العربية وحتى الأجنبية، تعاني أزمة حقيقية، إلا أنها في مصر أكثر وضوحًا، ربما لأنها أم الدنيا، حتى في كم المنغصات والمعوقات التي صنعناها نحن بأيدينا بإذعان ممجوج، ولم يصنعها حاكم أو مسؤول، والتي تؤكد معاناة تلك المهنة، ومعاناة أصحابها، ومن ثم لم تعد بنفس النفوذ والثقل كما كانت من ذي قبل.
ولا شك أن هذه المعاناة تثبت فراسة الأديب الكبير الألمعي مصطفى لطفي المنفلوطي، عندما أثنى أحد موظفي الدولة الكبار، الذي هام شوقًا بالصحافة، وظن أن فيها جنته المفقودة، عن ترك وظيفته للعمل بها؛ ظنًا أنه يُحسن صنعًا، أو أنه سيكون بهذا التحول أكثر إفادة لنفسه ومجتمعه.
أقنع المنفلوطي ذلك الشخص بخطأ تلك الفكرة وعوارها في مقال رائع له بكتاب «النظرات».
وقد دعم المنفلوطي وجهة نظره في أن الصحافة مهنة شاقة، وليس فيها إغراء يجعله يترك منصبه الرفيع في الحكومة من أجلها، بمسوغات منها أن الصحافة مهنة قد يُجبر العامل فيها على التنازل عن كثير من مبادئه من أجل لقمة العيش، وتجنب قصف قلمه وحجب مقاله.
هذا التنازل، بكل أسف، تسبب مؤخرًا في هدر قيمة الكلمة وانحطاط شأنها، خاصة في الصحافة الورقية، التي عزف عنها كثير من القراء، خاصة الشباب.
الغريب أن المنفلوطي أسدى لسائله هذه النصيحة في زمن نفوذ الكلمة، ورسوخ سلطان الثقافة والفكر والصحافة، فماذا لو عاصر ما يعانيه الكتاب والمحررون اليوم من مضايقات يشيب لها الولدان، وتضع بسببها كل ذات حمل حملها، وهو ما جعل الكثير منهم يفكر في تعديل مساره، والانصراف عن تلك المهنة، والبحث عن مصدر دخل آخر يضمن له حياة كريمة؟
إن وصف الصحافة بمهنة البحث عن المتاعب لا ينطبق على زمن أكثر من انطباقه على زماننا الحالي، الذي يعاني فيه المحررون والكتاب من تدخلات رؤساء التحرير السافرة، وإملاءاتهم المعوقة، هم ومن ينوب عنهم، لحرية الكلمة ونزاهة الرأي.
ولا شك أن هذا الفعل يعد جريمة يرتكبها هؤلاء المسؤولون في حق الكتاب، خاصة إذا كان الكاتب والمحرر يسير في الاتجاه الصحيح، ويحترم سياسة الجريدة ومواثيق العمل الصحفي، دون تشويه أو تضليل أو هوى.
إن الصحافة الجادة، يا سادة، لا بد لها من حرية، والحرية التي أقصدها ككاتب لا تعني التهور، أو أن يكون الكاتب ذا صوت حنجوري يجانب العقل ويجافي المنطق ويركن إلى «الجعجعة الفارغة»، لكنها تعني أن تكون الكلمة مسؤولة، مبنية على حجة ومنطق بعيدين عن الهوى والشطط، ومتى توافرت هذه الشروط فيما يكتبه الكاتب، نضمن ساعتها ألا نرى في مجتمعنا وجودًا لفاسد، أو بقاءً لمعوج، أو ثراءً لمرتشٍ ومستغل لمنصبه في نهب أموال الدولة.
الجرأة التي أقصدها، وأطمح لوجودها بصحفنا، هي الجرأة المتزنة، التي تمكن صاحبها من قول ما يريد بلا إساءة ولا تجريح، هي الجرأة التي لا تسمح بالتستر على فاسد، أو تغض الطرف عن مختلس، أو…، كل ذلك بعيدًا عن العنترية الكاذبة، التي يكون فيها الناصح أولى وأحق بالنصح من المُنتصَح، بيد أنه ساعتئذ لن يقبل كلامه؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
إن مهارة الصحفي والكاتب تتمثل في قدرته على توظيف الكلمة، وولوج الأماكن الشائكة، دون شتم أو تجريح، وألا يقول إلا ببينة، ولا يتهم إلا بدليل، ثم يترك بعدها الكلمة الفصل لأهل الاختصاص، ولا تعني مطلقًا أن يجعل الكاتب من نفسه جراحًا، يستخدم مشرطه في تجريح المجتمع، أو أن يجعل من نفسه قاضيًا يحكم على البشر دون الاستماع إلى دفوعاتهم.
إن أزمة الصحافة الحقيقية، إضافة إلى ما سبق، تتمثل في أن العاملين داخل المؤسسة الواحدة لا يعملون بروح الفريق، وتتطغى بينهم روح «الأنا»، ويتعمد بعضهم تشويه شغل غيره، ليبقى هو المتميز الوحيد؛ مما تسبب في خروج مادة صحفية ركيكة ضعيفة، كسدت سوقها أمام سرعة وتطور الميديا الحديثة.
إن أزمة الصحافة كذلك أنه لم يعد متاحًا لبعض، بل قل لكثير من الكتاب، أن يعبروا عن آرائهم داخل صحفهم ومؤسساتهم، بحجة عدم توافر مساحة للنشر، أو لأنه ليس على هوى رئيس التحرير، فصارت الصحافة مهنة «استلطاف» لا مهنة كفاءة، وهو ما دفع ويدفع الكثيرين للكتابة في صحف أخرى بلا أجر؛ لمجرد أنها تفتح لهم نافذة للنشر بغرض الحفاظ على أسمائهم من النسيان، وتلك هي الطامة الحقيقية!
طامة؛ لأنها جعلت الصحافة مهنة رخيصة بلا مقابل، رغم أن كل المهن، من طب وهندسة وتدريس وحتى السباكة والنجارة وغيرها، يتزايد أجرها، ويشترط أصحابها، أما مع مهنة تنوير العقول، والارتقاء بالفكر والسمو بالوجدان، فصار الأمر مختلفًا تمامًا، إذ يكتب الكاتب بلا أجر، حتى ولو كان ما يكتبه سبقًا صحفيًا، أو مقالًا يناقش قضية بعمق، أو تحليلًا شخّص المرض وقدم العلاج.
إن عجز الصحفي عن تلبية متطلبات أسرته؛ لقلة العائد مقارنة بغلاء الأسعار، لن يمكنه من الإخلاص لمهنته، واحترام كلمته.
إن الكلمة هي أقوى أسلحة الأمم، فبها تشتعل الحروب، وبفضلها تُوأد الفتن، فحري بالدولة أن تقدرها وتدعمها، وهو ما سيعود بالنفع على العاملين بها، الذين سيكونون أكثر عطاء وأشد مصداقية، وهو ما يصب أولًا وأخيرًا في مصلحة بلدنا الحبيب مصر.. فهل نحن فاعلون؟