يتجه الروائي وعالم الاجتماع السياسي البارز الدكتور عمار علي حسن بموسوعته المنهجية في التأليف وتعدُّد مؤلفاته ودراسته في الرواية والادب والفكر والسياسية؛ يعود مجدد مرتاداً لفضاءات تدخل في الأدب وتجاوزه إلى قراءات مختلفة تقارب ما بين الخيال والسرد في بنيته الروائية في منظومة الكتابة السردية؛ لكنها في الوقت نفسه تؤلف لحكاية في أدب الرحلات بمنطق سردي عميق. ففي كتابه (ألف نافذة لغرفة واحدة- رحلة بين الطبيعة والأشياء) الصادر في 2022 والحائز على جائزة ابن بطوطة 2003م ليضاف إلى جوائز أخرى استحقها الكاتب النَّابغة؛ يتوغَّل مدفوعا بخلفيته الأكاديمية ورؤيته السردية في فضاء عالمي متسِّع يرصد فيه الإنسان في بعده الإنساني المجرد بما يتجاوز الأطر الثقافية والايدولوجيا والسياسية وما ينعكس على المكان من هوية شكلها الزَّخم الانطولوجي للحراك البشري. فالعالم الذي يعيد اكتشافه سرديا عالم تتشكل ابعاده الإنسانية بعيدا عن إشكالات وجدليات صدام الحضارات أو نهاية التاريخ في تصور أيديولوجي احتفائي تنقصه إن لم تكن احكام التاريخ؛ فالحكمة الإنسانية البليغة ذلك بأن الحضارة الإنسانية واحدة تتعدد وجوها!
وحين يجتاح الخطاب السردي مجالا يقترن بضرورة متطلبات الكتابة السردية، غالباً ما يتسم بالعناصر الجمالية والعوامل الفنية والأساليب التقنية في بنية الرواية داخل نسقها وأحداثها المثيرة. وإذا تَّم تصنيف أدب الرحلات من فروع الادب وجملة من معارف إنسانية أخرى ترصد وتنقل ما يغيب بفعل قلة التواصل ونقص المعرفة، فإنه أي أدب الرحلات يعتبر التمثيل السردي لما يقوم به الرَّحالة أو المستكشف والمغامر من تطواف عبر جغرافيات وثقافات وبيئيات مغايرة عن بيئته تضم تجمعات بشرية. ولكن أيضا لم يكن هذا الفرع من الآداب بريئا من تحيزات عكست آراء أصحابها أكثر من التَّوق المعرفي الذي يميِّز الإنسان بفضوله غير المحدود في اكتشاف المجهول. وقد كانت هذه الرحلات – تاريخيا- مقدمات في العصور المتأخرة لما أفادت منه الامبراطوريات في غزوها واستعمارها لشعوب وقارات مأخوذة بما كتبه أولئك الرحالة المغامرين وهذا التوظيف الكولونيالي للأدب على نحو ما شرَّحه ادوارد سعيد في الاستشراق والذي رأي أن الادب من بين أدواته الفاعلة لخلق شرق اخترعه الغرب وسيطر عليه ورسم جغرافياته المتخيلة.

ولكن ثمة إضاءات سردية في الروايات الغربية التي تناولت شعوبا خارج المدار الغربي مثل “الطريق إلى الهند” للروائي الإنجليزي إي أم فورستر التي كشفت عن عرقية استعلائية مورست ضد الهنود، وبالمقابل نقل -سرديا- نقائض التصورات السردية كما في رواية (قلب الظلام) للإنجليزي من أصل بولندي جوزف كونراد بكل ما رافقها من جدل في التصور الأوربي النمطي الاستعماري للإنسان الأفريقي وانحطاطه الحضاري.
إغراق سّرديّ:
في هذه الرحلة السردية الباذِّخة التي تضمنتها نصوص كتاب (ألف نافذة لغرفة واحدة- رحلة بين الطبيعة والأشياء) تترسم فيها عوالم سردية غنية بمشاهداتها وحوار فكري ثقافي تأخذ من التجربة الشخصية للكاتب كراوٍ عليم يمسك بإحكام ببية النص بما يجوز الوصف النقدي التقليدي. تعيد هذه المشاهدات الإنسان إلى حقائقه التاريخية ومنجزاته من وراء خيرها العميم في الحوار والسلام أي ما وراء الخيِّر والشرِّ بتعبير الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه كقيِّم تحددها الثقافة والسيِّاق الزمني. وقبل الحكم أو التصنيف النقدي للكتاب ما بين أدب الرحلات أو المذكرات أو التأملات الذاتية في البلاد والعباد وغيرها من أنماط الكتابة التوثيقية؛ يضعنا كتاب (ألف نافذة لغرفة واحدة- رحلة بين الطبيعة والأشياء) أمام كتابة قابلة لأكثر من تفسير نقدي وتأويل فلسفي، ليس حصراً على خلفية مؤلفه السردية – صدر له العديد من الأعمال السردية- ولكن حتى بما يقاس عليه من المنجز الكتابي السردي. فالمحتوى الذي تنبثق عنه محددات الكتابة وصفية كانت أم تحليلية تأخذ معناها مما يقيمه كاتبها من علاقات نصية متشابكة أو بينية منهجية Interdisciplinary تنظم الفعل السردي واحداثه في بنية تعبر عن رؤية كاتبه إن لم تكن ثقافته ومستوى تأسيسه العلمي والمعرفي.
ولأن الكتاب إذن، ليس سجلاً وصفياً ينقل ما يقع تحت بصر الرائي وما تثيره المناظر والأشياء في النفس من متعة، بل تبصر إنساني يراقب النشاط البشري من وراء أسئلة مقلقة وإمعانا للنظر في تحليل المركبات الثقافية وتقاطعاتها في التاريخ والجغرافيا؛ وأيضا السياسية. وبعيداً عن عقل التاريخ إن جاز إحالة التفسير الفلسفي لأحداثه (فلسفة التاريخ) يتقاسم الوصف السردي كل من متن التاريخ والنصَّ الكتابي وأن بقي المصدر الذي تنبثق عنه المرويات التاريخية واحداً يوحي بالحدث التاريخي ومن ثَّم يندرج تحت التأويل الروائي للتاريخ وتفسيره. فتفسير الحدث أو وضعه في إطار نصِّي آخر بعيداً عن المرجعيات التاريخية كالسير والتدَّوين قد يتقيد بالإضافات التي يضعها الراوي للحدث وفق الرؤية التي يرتئيها. وهذا ما مثَّل نزوع الكتاب دائما ادماج الرِّواية إلى جانبها مؤثراتها ومقدماتها السردية.
ويذهب الدكتور عمار في رحلاته الجغرافية المفعمة ببذخها السردي دون أن تنفكَّ عنه خبرته السردية وخياله الجامح الذي يمزج بين الواقع وما تستخلصه بصيرته الروائية من تفاصيل دقيقة في معانيها المُتجلية في حياة الإنسان. ولذلك جاءت الكتابة عن مدن وبشر ومبانٍ ومعالم وتاريخ قام بتجسيده سرديا محولا المادة التاريخية والتجربة الشخصية إلى نص سردي بدلالاته القصية في التعبير منتجة للمعاني السردية الشاخصة. ومستنطقا المنجزات الأركيولوجية حيثما تجسَّدت في الرموز والتماثيل والكنائس والطرقات أطلَّ من نوافذ الكتاب إلى النَّاس وما يحيط بهم وما كوّن هيئاتهم بمنظر أنثروبولوجي برغبة إنسانية جامحة فيما يجمع بني البشر أكثر مما يفرقهم. وأمكنه بالتالي بفضل موهبته الأدبية الفذّة أن تشمل رؤيته كل ما يدخل في السياق السردي من لغة وأسلوب وتسلسل للأحداث ينظمه البناء المحكم في قالب سردي مقدما موضوعاته بكل ما تحمل القيمة السردية والمعرفية مما شكل قيمة معرفية وفكرية داخل السيِّاق السردي. وقد تكامل النص مستوفيا لشروط الكتابية السردية والمنهجية العلمية في حقل التداول البياني للمعلومات وبراهينها المنطقية.
وبهذا العنوان المجازي (ألف نافذة لغرفة واحدة- رحلة بين الطبيعة والأشياء) قدَّم المؤلف تجربته انطلاقا من خبراته الذَّاتية منطلقا من بلده (مصر) بتاريخه الحضاري الغائر وموضعه الاستراتيجي الذي لم يجد الجغرافي المصري البارّز جمال حمدان وصفا يطابقه إلا بعبقرية المكان Genius Loci وهو وصف بعيداً عن جذوره الجيوبوليتيكة يظلُّ المكان الذي هو بالضرورة تموقع في الموقع والموضع بتعبير صاحب الموسوعة الخالدة (شخصية مصر شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان). وأنتجت هذا الموقع شخصية متفردة كنتاج للتفاعل ليس بين عوامل ايكولوجية فحسب ولكن أيضا بين مكونات وعادات وثقافات بشرية مُتلاقحَّة في انصهار بشري نشط مذوباً لما يُظّنُ فوارق مورفولوجية غير قابلة للتمازج.
وفي هذا التجوال بين جغرافيات العالم ومساراته دائما ما تعود الذاكرة بالمقارنة أو القياس لتقرب المعنى الإنساني المشترك بين بني الإنسان بحثا عن قوانين التعايش السلمي وقيم التسامح التي ليست – بالضرورة- أن يكون مصدرها الأوحد تشريعات دستورية نافذة التطبيق بل تكيف انساني مشترك يقوم على المشتركات البشرية الجامعة. فتسجيل المشاهدات ههنا ليس دليلا ارشاديا على النمط السياحي والمرور العابر، بل مشاركة فاعلة أجلت ما بين الطبيعة والاشياء من تداخل وتناقض. واللافت أيضا أن جاءت مواد هذا الكتاب من تفاعل ما بين الكاتب والأماكن التي زارها مشاركا في الحوار الحضاري والدولة المدنية وغيرها من مؤتمرات علمية وإن لم يكن غالبها جزء من مادة الكتاب أو موضوعه؛ فقد كان يستبد به سؤال قلِق على ما أشار إليه بقوله “الشيء الأهم الذي يعنيني طوال سفري هو: كيف يتعايش الناس رغم اختلاف القيم والأفهام ودرجات الوعي والمصالح والغايات الفردية؟”
أوربا: مساءلة التاريخ أم مواجهته؟
عبر ثلاث قارات (أوروبا، أفريقيا، آسيا) ودول من بعواصمها ومدنها ومحيط عربي مترامي الأطراف من المغرب إلى الكويت يشرع الدكتور عمار في تنقلاته وتبدأ معاها حكاية الإنسان وقضاياه وتفاعله مع محيطه البيئي والجغرافي والسياسي. اشتمل محتوى الكتاب على فصول شكلت كل منها عنوانا مفارقا لكل مدينة، وفي الوقت نفسه كونت خارطتها السردية، فتحولت الفصول إلى فسيفساء مركبة باهرة الإضاءة تأخذ بالتفاصيل التي كان مؤداها البحث عن الإنسان بين الحدود المتوهمة تشكل فيما يبدو ظاهريا من فوارق ضمن حدود ما تقيمه الحدود الجغرافية واللغوية والملامح المورفولوجية. وفي مقدمة الكتاب الاستهلالية يستعرض ما يمكن احالته إلى فلسفة المؤلف الذاتية في السفر وما يربط بين الناس في عالم أصبح شديد الترابط. هذا الترابط الذي احدثته ثورات رقمية حولت العالم إلى ترابط جغرافي Connectography غير مسبوق التي اعادت تشكيل العالم وفق منظومات بالغة السرعة في التواصل بين البشر.
تبدو مدينة باريس أولى محطات الجولة القارية ليست كمدينة ساطعة الأنوار وحسب بل وضع لها عنوانا لتصبح (مدينة الجنة والملائكة)، ثَّم استدعي الذاكرة الحلم البعيد والواقع المتبدي أمامه بكل زخمه الذي كثيرا ما يفارق الحلم ورغائبه التي تستعصي على التحقُّق. ويستغرق الكاتب في العلاقة شخصيات مصرية بارزة _رفاعة الطهطاوي، طه حسين، يحيى حقي…الخ) في بدايات القرن العشرين وارتباطها بباريس وعلاقة البلدين (مصر، فرنسا) وخاصة أن فرنسا وما تشكله في الذاكرة الثقافية العربية منذ أن التقى الغرب بالشرق أو ما مثل نقطة التلاقي الحضاري الحرج بين أوربا المتفوقة والشرق المنحط حينها.
وبدا أن الموقف التاريخي في بعديه الثقافي والاستعماري لفرنسا وما تشكله العلاقة المعقدة بين الغرب والشرق في سياق بين مركزية أوروبية متمركزة عرقيا Ethnocentrism قد تناوله الكاتب في ثنايا أحداث التاريخ، ولكن ذلك لا يماثل ما رصده في مدينة المواطنة العالمية (باريس) الكوزموبوليتانية المتخمة بالتعدد البشري والتقاطه للحظات إنسانية لها معناها في مبتغى الكاتب حيث ما يعنيه كما يقول: الشيء الأهم الذي يعنيني طوال سفري هو: كيف يتعايش الناس رغم اختلاف القيم والأفهام ودرجات الوعي والمصالح والغايات الفردية؟ هذا التساؤل على ما بديهيته لا تخفى اشاراته الانطولوجية في خضم البحث عن أصل إنساني واحد مهما بدت درجة الاختلاف أو المفارقة إلا أنها تعبر عن واقع كما تبرهن حكايات الكتاب عن ظواهر إنسانية معبرة عن ثقافات موروثة ومتجدَّدة.
تجلت مدينة باريس بوجوه البشر وحكايات الناس واحلامهم أكثر من وصفها الشائع كمدينة تضم بين معالمها الرئيسة برجها ومتاحفها وأضواءها الباهرة وحوانيت الموضة والجمال؛ وكان لمعاناة الإنسان الصامتة وسباقه المحموم تحت قيود العمل الرأسمالية التي لا ترحم حين وصف هذا الواقع بقوله: “لماذا كل حرية يظفر بها البشر تلقي بهم في عبودية من نوع جديد؟” ويلاحظ أن القدرة على تحقيق مكونات السرد الوظيفية في الرصد تطبيقا على ما اتاحته جغرافيا المكان وهويات البشر وتصرفاتهم في بيئتهم المعيشة. وكثيرا ما وردت المعلومات والبيانات العلمية منسابة بما يتوافق والبنية التركيبية لمادة الكتاب سردا وأسلوبا ولغة بغير تَعْقَر اصطلاحي ومفاهيمي مع أن الكاتب يرتكز على منهجية علمية صارمة في علم اجتماع المعرفة تخصصا.
وإلى لندن العاصمة البريطانية في فصل (ضباب وإلفة) التي لا تختلف تاريخيا عن علاقتها المتشابكة بإرثها الامبراطوري الأكثر اتساعا في محيطه القاريّ والتاريخي وأقل تأثيرا – على الأقل ثقافيا- على مصر والعالم العربي بالمقارنة مع غريمتها فرنسا. واجه الكاتب اكراهات التاريخ وتحولاته الجذرية في بنية العلاقات الإنسانية التي تشكلت لقرون بفعل حقبة الاستعمار وإبادة الشعوب دون أن ينزلق إلى تفسيرات نظريات مع بعد الاستعمار والتَّابع وكل ما الخطابات التي حاولت إعادة القراءة من داخل الخطاب الاستعماري نفسه. فإذا كانت باريس مقصدا علميا وأدبيا صاغته شخصيات مصريات شكلت في بدايات القرن العشرين وعياً نهضويا، فإن أكثر ما حقق تلك العلاقة في وجهتها السردية الرواية الأشهر (موسم الهجرة إلى الشمال) للروائي السوداني الطيب صالح أكبر نقاط الالتقاء في وقت بدأت تزول فيه سطوة الإمبراطورية الإنكليزية.
ولكن ذلك لم يجنبه التغطية التأريخية لكل بلد في حدود تمظهرات العلاقات التاريخية في بعدها الذي شكَّل عالما هو جزء منه، ويشتد هذا التوجه حدة في جغرافيا أوروبا الغربية (فرنسا، إنكلترا، ألمانيا) وإلى حد ما تركيا، قبل أن تأخذه الحكاية المركزية في البحث عن الإنسان في وضح النهار على طريقة الفيلسوف الإغريقي ديوجين. وفي هذا الغرب (الجديد) بهوياته المتعددة وانصهار الإرث الإمبراطورية في مواطنة متساوية تحرسها قيم الديمقراطية والمساواة وسيادة القانون؛ لم يزل يعاني من ترسبَّات عنصرية تعيد بعث بعض من مآسيه في الماضي.
إن النقد الذي واجه الحضارة الغربية من عمقها التاريخي والفلسفي أنبثق عن نطاقها المعرفي نفسه فمنذ كتابه عن انهيار الغرب في أطروحته فصل اشبلنجر اوسالد انهيار الغرب حين بين التاريخ والطبيعة على خلفية إرادة مصممة على تفكيك العالم وجمعه تحت منظومة نتشوية في سطوتها قوة إنسانها السوبرمان.وما قبله من نظريات رصدت الصعود والانهيار الحضاري الذي أصاب الحضارات في ثنائية ارنولد توينبي التاريخية بين التحدي والاستجابة أو عوامل انهيار الملك والسلطان (دولا وامبراطوريات) لدى مؤسس علم الاجتماع التاريخي أبن خلدون؛ تجعل من استمرار عامل الدافع الحيوي Élan Vital بتعبير هنري برغسون حاسماً لاستمرار الحضارات.
ما بين باريس ولندن وقد تحولت المدينتان كما يتضَِّح من رواية الكتاب ما جعل منهما جغرافيات جديدة لا ترمزان إلى تاريخ امبراطوري وعرقية متمركزة وحسب؛ بل هويات جديدة ومتفاعلة تسهم في الحوار الإنساني الرحيب وتربطها علاقات إنسانية وليست هويات متصارعة على تعبير الكاتب أمين معلوف في كتابه (الهويات القاتلة). وكذلك لم تعدا مدينتين للروائي الإنكليزي في رائعته الأشهر الرواية التاريخية (قصة مدينتين) في القرن التاسع عشر، حين كانت فرنسا الثورة السياسية وبريطانيا الثورة الصناعية اللتان غيرتا وجه العالم. إلا أن اللافت أن بريطانيا خلت من أي إشارة لشخصيات أدبية ثقافية من الشرق كما كان الأمر بالنسبة لباريس، وهذا ربما جاءت مبرراته من طبيعة العلاقة التي ربطت مصر بفرنسا وعمق أثرها الثقافي أكثر من السياسي الذي احتوى مصر استعماريا لعقود.
ففي ألمانيا التي لا تذكر إلا وكانت الحرب العالمية الثانية حاضرة، يحكي عن الكاتب عن موقف حدث له على ارتباط بذلك التاريخ في عالم اليوم الذي تزداد شعبويته اليمنية يوما بعد آخر. ولكن تبقى ألمانيا كما يطلق عليها الكاتب (ماكينات لها أرواح) وما يبديه من اعجاب بإبداعاتها الهندسية ونظامها المنضبط وسياساتها الانفتاحية تجاه اللاجئين. وهذا المرحلة كما ذكر استفادت ألمانيا درس التاريخ وكيف الذي من خلاله أمكن لهذه البلاد بتاريخها الدموي أن تستعيد قوتها بعد انهيار وخراب، ولم تعد ألمانيا تطمع في مجال حيوي بل دولة ترنو من نافذة رؤيا العالم Weltanschauung إلى مجالات أوسع تشارك منجزات الإنسان المادية.
ولم يُعنْ الكاتب بالفوارق اللغوية وإن كانت من مكونات التعبير الثقافي نفسه أو ما يطلق عليه علماء اللغة الفوارق اللغوية وإن يكن ليس من الوجاهة أن يكون من مادة الكتاب السردية إلا في حدود مال استعرضه من تحليلات ثقافية كما التاريخية والسياسية وغيرها. فالقارة الاوربية بفوارقها اللغوية المكونة لفكرة الدولة القومية والمستخدمة – ضمن وسائل أخرى- في مدها الاستعماري. فهذه الهويات المنصهرة وحدتها لغات تلك الدول خاصة الإنكليزية والفرنسية ولا تزال مؤثرة محتفظة ببعدها الكونيِّ.
وفي عمق جغرافي متقارب بالتاريخ والارتباط الوجداني يقودنا الكاتب إلى سياق مغاير أحدهما في القارة الأوربية والآخر في آسيا القصية. تطأ قدم الكاتب تركيا تحت عنوان فصل (رجع بعيد) فكما يوحي العنوان بدلالته المتوطنة في تجاويف الذاكرة التاريخية والدينية لمحيط الكاتب التاريخي والديني والرمزي. وقد جادل التاريخ المكثف لتركيا وقرأ مزارتها التاريخية وما خلفه هذا التاريخ المتوغل قرونا في العمق الجغرافي الإسلامي. ومن ثَّم أثار معضلة تركيا الحديثة العلمانية وعلاقة الدين والدولة والخلافة بحدة سياسية لافتة تميط اللثَّام عن تصادم جماعات الإسلام السياسي وأشواقهم في عودة نظام الخلافة وكيف أن تركيا بإمكانها استعادة زمام المبادرة لقيادة العالم الإسلامي. ويدحض الكاتب تلك المزاعم بما قدمه في سابقا في حوارات الغليان السياسي المصري وقتها. وهنا يمنح المكان (تركيا) حديثا مكثفا طوى محللا أوضاعها السياسية في الماضي والمستقبل مع الإشارة إلى طبيعة البانورامية لمناطقها ومدنها وموسيقاها وروحانياتها الصُّوفية.
وفي ذات النِّطاق الديني تمتد الاستكشافات السردية إلى أقصى الشرق، إلى بلد يعد الرَّابط الديني فيه أكثر ما يميزه. نذهب مع الكاتب إلى إندونيسيا في فصل بلد (بلد المطر السَّاطع)، البلد الذي لا يشار إليه إلا بأكبر بلد إسلامي في دائرة المعارف العربية والإسلامية كما لو كان الإحصاء السكاني يدل على قوة بعيدا عن التقدم في المجالات الأخرى في تصورات جماعات الإسلام السياسي. وما يثيره الكاتب هنا من تشابه وبلده في دينيا بفعل المد الحضاري لمؤسسات مصر الدينية، لم يغفل عن الغليان السياسي الذي لازم تاريخين البلدين. فقد رأي كما يصف الدين في الشعب الإندونيسي مصدر تسامح وتطبيقا عصريا لمفاهيمه المقاصدية في مفهومه الإنساني الواسع مما مكن دولة الأرخبيل من إقامة دولة مزدهرة لا تزايد بالشعارات الدينية تنظمها حياة ديمقراطية.
نوستالجيا العالم العربي:
وفي الفصل الأخير؛ أطول فصول الكتاب (أخوة اللسان والتراب) من كتاب (ألف نافذة لغرفة واحدة- رحلة بين الطبيعة والأشياء) يعود الكاتب ليستقر في موقعه الأثير بما أن لكل رحلة نقطة نهاية من حيث انطلقت، هذا باعتبار أن المحيط العربي يشكل منصة الانطلاق لمسح أماكن الحكايات سرديا وقاعدة عودة أيضا. وهنا يوحي الأداء السردي بالتراجع الأداء في وظيفته، وتتراخى وتيرته، وينخفض منسوبه وتتحول اللغة إلى لغة حاذرة مهادنة كما لو كانت ثمة شروط مسبقة أو خضوعا لسلطة الخطابات السلطوية الكامنة في لاوعي المنطقة وأصحبت بالتالي شرطاً ضرورة تمليها على السارد.
ثمة مساحات ماضوية ربما تفوق الحيِّز الجغرافي في هذه المنطقة من العالم؛ مساحة بالغة الشسوع أي من المحيط إلى الخليج السياق التكويني الأرضي والتاريخي والسياسية لسكانه تنقل الكتاب بين عرب وعرب، على ما رود في تعبيره. فمن المغرب الأقصى بمناظره الرائعة مرورا بالخرطوم ودول الشَّام لينان والأردن إلى الكويت بالخليج يلامس الكاتب واقعا بدا وكأنه في ترابطه المجتمعي عصي على التغيير أو الإصلاح. يدرك القارئ من خلال تنقله بين هذه الطبقات التكتونية مرثية سردية طويلة تصمُّ الأذان ولا زالت تتردد أصداؤها على بين جدران بلدانه المصمتة وجراحه المفتوحة وشرايينه النَّازِفة تزيد من ألمها طوائف وصراعات وحكومات مأزومة بالوراثة والتاريخ.
ربما اختلف التعبير عن المشاهدات بين ” أخوة التراب والدم” في هذا الفصل الأخير من الرحلة حيث طغى عليها صوت حاني وتشابك علائقي بين الكاتب والمكان بكل ما يمثله في تجربته الشخصية. فالمدن وأهلها وطرقها ومساكنها ومقاهها سكنتها روحه المتجذرة بحكم الانتماء. فالخرطوم، العاصمة السودانية التي يربطها شريان حيوي (نهر النيل) ومصر لم تعد كما وصفها مواطنه الدكتور مصطفى محمود في كتابه (الغابة) في ستينيات القرن العشرين في رحلته إلى مجاهيل أفريقيا؛ تحولت إلى فيما تحول البلد إلى بؤر صراع السلطة والانقسام والفساد.
ولكن يبقى ما صوره من مشاهدات الحياة العادية مبرزا لثقافة البلد الشعبية على الطرقات وكيف أن الناس فيها وإن أرهقتهم الحياة يصرون في ثبات على ترابطهم الاجتماعي الاستثنائي مقاومة لتحديات الحياة نفسها. وسبَّق أن تناولت روايته (بيت السناري) الحائزة على جائرة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي 2016 في شخصية ابراهيم كتخدة السنارى راصدا -تاريخيا- لمسيرة إنسانية في خضم أحداث التحولات الهائلة في مصر إبان الحملة الفرنسية.
***
وعلى وجه من القول؛ قدَّم الدكتور عمار علي حسن في هذا العمل صورة كثيفة الظلال مركبة التفاصيل، وفتح بابا للثقافة السردية العربية وأدب الرحلات خارج إطاره الكلاسيكي بمغامرة جريئة وسردية محكمة بينتها التفاعلية بين الجغرافيا والتاريخ والشخصيات والأفكار، أي بالمعنى النقدي جعل من الزمكان Chronotope فعلا سرديا متوحدا وتفاصيل الرواية. وجاءت الكتابة ماتعة محمولة على عنصر التشويق الذي تخلَّق في نصوص الكتاب انبثقت عن طاقة سردية غزيرة الإشعاع مستفيدة من خبرة الكاتب السردية وبالتالي قدرته على الإدهاش الإبداعي الذي ينتج لذة النصَّ على تنظير الناقد الفرنسي رولان بارت. فمنذ مؤلف خير الدين التونسي (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) في القرن التاسع عشر على ما يباعد بينهما في الزمان والموضوع؛ أن تنتج الكتابة العربية السردية تستكشف من خلالها العالم نافذة إلى تشكلات ملامحه المتقاطعة والمتشابهة بأدوات تحليلية فائقة في رسم صورة إنسانية مشتركة.
هذه الرؤية الكونية للثقافة الإنسانية ورغبة الاكتشاف بالتطوَّاف عبر جغرافيات مترحلة لإعادة تركيب ما تحاول – دائما- السياسة بحدودها الحَّادة تفكيكه، برّز عالما موازيا متحدا في رؤيته الوجودية كما السردية على ما تجلَّت في هذه الرحلات الممتعة. ففي بنائه الروائي النصِّي لم يحيد الكاتب نفسه كذَّات سلبية أو مغتربة تكتفي بالمشاهدة في عالم تعدَّدت ملامحه الإنسانية، بل أندمج كعنصر فاعل بنية السرد وما انطوَّت عليه معالم الرحلة. فقد حقَّق الكتاب مهمته وترك النوافذ مفتوحة للنظر إلى عالم ينبغي كشف اسراره وهو يعيد تعريف نفسه من خلال متغيرات الثقافة والهجرة والهويات المتحولة على جغرافيات فسيحة التمدَّد في زمن ماضٍ نحو غاياته أو كما كتب: “وعليِّ ألا اشغل نفسي طويلا بالذي ذهب، لأن الطريق يتجدَّد دون انقطاع”.