يفتح الجدل الذي أثارته التقارير الصحفية عن علاقة صدام حفتر بإسرائيل باباً يتجاوز سؤال: هل التقى نجل خليفة حفتر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؟
فوراء هذه الواقعة (سواء تأكدت تفاصيلها أم لا) تاريخ أطول من الأفكار والمشروعات التي نظرت إلى ليبيا وخصوصاً برقة باعتبارها أرضاً يمكن أن تستوعب مشروعات للاستيطان اليهودي خارج فلسطين.
والأدق تاريخياً هنا التمييز بين مرحلتين: الأولى سبقت قيام إسرائيل وكانت مرتبطة بالحركة الصهيونية ومنظمات يهودية بحثت عن أراضٍ لتوطين اليهود، والثانية بدأت بعد قيام إسرائيل وأصبحت فيها العلاقات مع الدولة الإسرائيلية جزءاً من حسابات إقليمية ودولية مختلفة.
ففي مطلع القرن العشرين بحث تيودور هرتزل عن بدائل لفلسطين، وطرح على الملك الإيطالي فيكتور إيمانويل الثالث عام 1908 فكرة توطين يهود في طرابلس لكن الملك رفضها.
وفي عام 1908 أوفدت المنظمة الإقليمية اليهودية المعروفة اختصاراً بـ«آي تي أو» بعثة بقيادة الجغرافي والجيولوجي البريطاني جون والتر غريغوري لدراسة إمكان إقامة مستوطنة يهودية في قورينا القديمة (مدينة شحات بشرق ليبيا حالياً). ونشرت البعثة تقريراً في لندن عام 1909 تناول الأرض والزراعة والمياه والظروف الصحية وإمكانات الاستيطان.
لكن الدراسة انتهت إلى أن إقامة مستوطنة واسعة في برقة تواجه صعوبات كبيرة في حينه، من بينها محدودية الموارد المائية والظروف المحلية وموقف السكان.
ثم عادت برقة إلى الواجهة خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد مغادرة الملك الإيطالي العرش في روما وتوجهه إلى الإسكندرية في مصر، ظهرت مقترحات بريطانية وأمريكية لإنشاء كيان يهودي أو توطين لاجئين يهود في أجزاء من ليبيا في إطار البحث عن حلول لأزمة اللاجئين اليهود وتعقيدات إقامة الدولة اليهودية في فلسطين.
وفي عام 1945 ناقش الحلفاء مصير المستعمرات الإيطالية، وظهرت ضمن المداولات فكرة استخدام بعض هذه الأراضي لتوطين اليهود قبل أن تتراجع الفكرة أمام التعقيدات السياسية والديموغرافية ورفض سكان المنطقة، ومن بينهم السنوسيون الذين خرج من صفوفهم المقاوم عمر المختار.
ويكشف المؤرخ الليبي مصطفى عبد الله بعيو في كتابه «المشروع الصهيوني لتوطين اليهود في ليبيا» الصادر في مارس 1975، مستعرضاً المحاولة الأولى التي أوردها في كتابه مشفوعة بالوثائق، أنها جاءت بالتفصيل في «الكتاب الأزرق» الصادر عام 1909 والذي وثقت فيه المنظمة اليهودية تحركاتها في اتجاه إنشاء وطن قومي لليهود تحت رعاية السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بعد رفض فيكتور الثالث ملك إيطاليا للمشروع.
وذكر بعيو، وهو وزير التعليم الليبي السابق في العهد الملكي، أن تيودور هرتزل التقى أعيان يهود ليبيا لأول مرة في القسطنطينية سنة 1892 لحثهم على مشاركته دعوته، وواظب على مراسلتهم ودعاهم إلى مؤتمرات منظمته في فيينا بين عامي 1900 و1904.
وفي العام الأخير وقبيل وفاته في 3 يوليو 1904 تقدم هرتزل إلى فيكتور إيمانويل الثالث ملك إيطاليا طالباً توطين يهود في طرابلس الغرب وتأسيس حكم ذاتي لهم تحت إشراف بلاطه، لكن الملك رفض ذلك بشكل قاطع.
لكن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني رحب برعاية مشروع تيودور هرتزل لتوطين اليهود في ليبيا، وذلك بعد تجديد هرتزل دعوته عقب الرفض الإيطالي للمشروع بعامين.
وحسب الرواية التي يوردها بعيو عدل السلطان العثماني مكان التوطين إلى منطقة برقة شرقي ليبيا حيث كانت بدايات الثروة قد لاحت إضافة إلى موقعها البحري الإستراتيجي في شرق المتوسط.
وحسب وثائق المكتبة الوطنية الإسرائيلية أوفدت المنظمة الإقليمية اليهودية المعروفة اختصاراً بـ«آي تي أو» عام 1908 بعثة إلى برقة لدراسة إمكانية إقامة مستوطنة يهودية هناك، وقاد البعثة الجغرافي والجيولوجي البريطاني جون والتر غريغوري الذي أعد لاحقاً تقريراً مفصلاً نشر في لندن عام 1909 بعنوان «تقرير عن عمل اللجنة الموفدة من المنظمة الإقليمية اليهودية لفحص المنطقة المقترحة لغرض استيطان يهودي في برقة».
ولم يكن التقرير مجرد دراسة نظرية، فقد تناول بصورة مباشرة الأرض والزراعة والمياه والهندسة والظروف الصحية وإمكانات إقامة مستوطنة يهودية، كما تضمن ملحقاً عن اليهود واليهودية في قورينا القديمة واسمها الحالي مدينة شحات في منطقة الجبل الأخضر بشرق ليبيا.
وتؤكد فهارس المكتبة الوطنية الإسرائيلية ومكتبة جامعة بنسلفانيا وجود التقرير باعتباره وثيقة تاريخية مستقلة تعود إلى عام 1909.
وتكشف دراسة فرنسية نشرت لاحقاً أن البعثة كانت تتحرك فعلياً بهدف بحث إمكانية استيطان لاجئين يهود في برقة، وأن السلطات العثمانية في ذلك الوقت أبدت تعاوناً معها بينما انتهى غريغوري إلى أن الظروف المحلية تجعل نجاح مستوطنة يهودية في برقة أمراً بالغ الصعوبة.
وهنا تظهر أهمية برقة في تاريخ المشروع؛ فالمسألة لم تكن مجرد رغبة في هجرة يهودية إلى ليبيا، وإنما كانت جزءاً من تيار أوسع داخل الحركة اليهودية الأوروبية كان يبحث عن أرض يمكن أن تستوعب تجمعاً يهودياً كبيراً خارج فلسطين.
لماذا كانت برقة هدفا؟ الإجابة تكمن في الجغرافيا قبل السياسة، فهي تطل على المتوسط وقريبة من مصر وتمتلك موقعاً إستراتيجياً في شرق المتوسط، ثم اكتسبت بعد اكتشاف النفط أهمية اقتصادية مضاعفة.
الظروف والإمكانات والقذافي حالت دون قيام المشروع الصهيوني في ليبيا وقتها.
أما بعد سقوط معمر القذافي عام 2011 فعاد الملف إلى المجال السياسي من زاوية مختلفة مع مطالب شخصيات تمثل يهوداً من أصل ليبي بالعودة واستعادة الحقوق والممتلكات والمشاركة في الحياة العامة، وفي مقدمة هذه الأصوات كان رافائيل لوزون رئيس اتحاد يهود ليبيا الذي ظل يطالب بفتح ملف أملاك اليهود وحقوقهم وبالعودة إلى ليبيا.
ومؤخراً جاء التحول الأكثر حساسية مع الاتصالات الإسرائيلية بشرق ليبيا الذي تعتبر قياداته أن العلاقة مع إسرائيل يمكن أن تكفي وحدها لتحقيق طموحها السياسي وحسم الانقسام لصالحها من دون وضع الشرعية الشعبية والسياسية في الاعتبار.
وفي عام 2021 نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية تقريراً عن اتصالات سرية بين صدام حفتر ومسؤولين إسرائيليين، ثم تحدثت تقارير لاحقة عن زيارة سرية لصدام إلى إسرائيل وعرض إقامة علاقات دبلوماسية مقابل دعم سياسي لمعسكر والده.
ولم تؤكد السلطات الليبية أو الإسرائيلية رسمياً تلك الروايات.
وفي يناير 2022 نشرت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» تقريراً عن طائرة مرتبطة بمعسكر حفتر هبطت في إسرائيل وعن لقاءات سابقة بين صدام حفتر ومسؤولين إسرائيليين.
ثم جاءت التقارير الأخيرة في سبتمبر 2026 لتتحدث عن لقاء بين صدام حفتر ونتنياهو، وهي رواية نفاها مؤيدو حفتر، فيما استندت التقارير التي نشرتها صحيفة «إل فوليو» الإيطالية إلى بيانات تتبع الرحلات وتصريحات السياسي محمد بويصير مستشار خليفة حفتر السابق.
وبالتالي فإن نفي مؤيدي حفتر لا يلغي وجود تاريخ من الاتصالات بين مراكز القوة من معسكر شرق ليبيا ومسؤولين إسرائيليين.
وهنا تصبح القضية أكبر من صدام حفتر، فالسؤال ليس فقط حول سعيه إلى استجداء دعم إسرائيلي لطموحه السياسي واكتفائه بذلك دون وضع شرعيته الشعبية والسياسية في الاعتبار، بل يقفز السؤال الأوسع وهو: لماذا أصبحت إسرائيل حاضرة في حسابات شرق ليبيا الآن، ولماذا تظهر برقة تحديدا في جزء من هذا التاريخ؟
……..
رضا شعبان.. كاتب مختص بالشأن الليبي.
المقال نُشر في صحيفة ال سولي 24 الاقتصادية الإيطالية.