بينما يترقب العالم انفجار الأوضاع في الشرق الأوسط واشتعال الجبهة الإيرانية، هناك حرب أخرى تدور رحاها في صمت مطبق، بعيداً عن ضجيج الطائرات وصخب التصريحات، إنها حرب “قاع المحيطات”.
تحت مياه بحر الصين الجنوبي والأعماق البعيدة، تقود بكين اليوم ثورة في رسم خرائط البحار، ليس لأغراض علمية فحسب، بل لرسم مسارات “الدمار الصامت” في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
بحر الصين الجنوبي.. ورقة ضغط أمريكية وفتيل لا ينطفئ
ترى الباحثة في الشؤون الآسيوية والصينية، تمارا برو، أن قضية بحر الصين الجنوبي ستظل دائماً مشتعلة، حيث تعتبرها واشنطن “ورقة ضغط” مثالية لإنهاك التنين الصيني في خلافات حدودية تمنعه من التفرغ لبناء إمبراطوريته الاقتصادية والسيادة على العالم.
وتكشف “برو” لـ”القصة” عن أبعاد الصراع القائم:
خط النقاط التسع: الصين تتمسك بسيادتها على 90% من بحر الصين الجنوبي، معتبرة أن أي نشاط عسكري فيه هو شأن سيادي داخلي، بينما ترى دول مثل الفلبين وماليزيا وفيتنام وبروناي أن هذا انتهاك صريح لسيادتها، خاصة في جزر “سبارتلي” و”باراسيل” الغنية بالنفط والمعادن.
الدور الأمريكي المشبوه: الولايات المتحدة تعمل باستمرار على تغذية هذه الصراعات، لا سيما مع الفلبين، لضمان بقاء بكين غارقة في محيطها الجغرافي، ومنعها من التحول إلى القوة العظمى المهيمنة الوحيدة.
هدوء مؤقت أم مناورة؟
تشير “برو” إلى أن أزمة الطاقة العالمية وتوترات مضيق هرمز قد تدفع دولاً كالفلبين (بتصريحات الرئيس ماركوس) للتعاون مع الصين مؤقتاً لإنتاج الطاقة وتخفيف حدة الأزمة، لكن الجوهر يظل صراعاً مجمداً ينفجر كلما أرادت واشنطن الضغط على الزناد.
الصين القوة البحرية الأولى عالمياً.. وسلاح الغواصات هو “المفاجأة”
ومن الناحية العسكرية الاستراتيجية، يكشف اللواء سمير فرج، الخبير الاستراتيجي والعسكري، مفاجأة من العيار الثقيل، مؤكداً لـ”القصة” أن الصين أصبحت اليوم، ولأول مرة منذ عقود، “القوة البحرية الأولى في العالم”، متفوقة على الولايات المتحدة الأمريكية في عدد القطع البحرية، استعداداً لمعركتها الكبرى لاسترداد تايوان والسيطرة على القطب الشمالي.
ويوضح فرج، سر “خرائط قاع المحيطات” التي تعكف عليها بكين لرسم مسارات “الشبح” وبأن الصين لا ترسم خرائط للبحث العلمي، بل لإنشاء “ممرات مؤمنة” تحت الماء لغواصاتها النووية، هذه الخرائط تسمح للغواصات بالتحرك بحرية كاملة وتحديد خطوط سير سرية تقترب بها من الأهداف الأمريكية دون أن تكتشفها الرادارات أو السفن.
سلاح الغواصات.. الحسم القادم
ويرى الخبير العسكري، أن الغواصات، وخاصة النووية منها، هي السلاح الرئيسي في أي صراع مستقبلي. فبمجرد نزول الغواصة تحت الماء، تصبح “مخفية” عن الأقمار الصناعية لشهور، وفجأة تظهر لتطلق صواريخها من القاع أو السطح، مما يحقق عنصر “المفاجأة” الذي يكسر الكبرياء العسكري الأمريكي.
سباق التسلح تحت الماء
واختتم فرج حديثه، قائلاً: نحن أمام شكل جديد من القتال الحديث، حيث الصراع ليس فوق السطح، بل في تأمين “طرق الاقتراب” وسرعة التحرك في أعماق المحيطات، الصين حالياً تتفوق في هذا المجال، وهي تضع خطط عملياتية بناءً على مسح واسع وشامل للمحيطات لمواجهة عدوها الحقيقي: الولايات المتحدة، وليس روسيا.
من يملك “الخريطة” يملك “المحيط”
إن ما يحدث في بحر الصين الجنوبي اليوم ليس مجرد مناوشات على جزر صخرية، بل هو “صراع بقاء” على السيادة العالمية، بين واشنطن التي تشعل الفتن الحدودية لإشغال بكين، وبين الصين التي تغوص في قاع المحيطات لترسم “طرق الموت” لغواصاتها، يبدو أن المعركة القادمة ستكون صامتة، عميقة، ومفاجئة.
ويبقى السؤال لـموقع “القصة”: هل تنجح الخرائط الصينية في تحويل المحيطات إلى “شباك” تصطاد الكبرياء الأمريكي، أم أن واشنطن تملك في جعبتها ما يوقف زحف التنين تحت الماء؟