لا يحتاج العالم اليوم إلى أكثر من “ضغطة زر” ليلتقط صورة بهاتفه المحمول، أو يرسل بيانات عبر شبكة معقدة في أجزاء من الثانية، لكن خلف هذه السهولة الفائقة، تكمن عقول استثنائية صاغت القوانين الرياضية والهندسية التي جعلت من المستحيل واقعاً.
في مقدمة هذه العقول، يقف البروفيسور المصري الأمريكي عباس الجمل، الرجل الذي لم يكتفي بنيل أرفع الجوائز العلمية، بل أعاد تعريف الطريقة التي تعمل بها الأجهزة والشبكات حول العالم.
البداية من “مدرسة” القاهرة
ولد الجمل في مايو 1950، وبدأت ملامح تفوقه تتبدى في أروقة جامعة القاهرة، حيث تخرج عام 1972 بمرتبة الشرف الأولى في الهندسة الكهربائية، لم يكن طموحه يتوقف عند حدود الإقليم، فانتقل إلى جامعة “ستانفورد” العريقة في الولايات المتحدة، وهناك بدأت رحلة الصعود الحقيقية؛ حيث حصد الماجستير في الهندسة ثم الإحصاء، وتوج رحلته الأكاديمية بالدكتوراه عام 1978.
صانع “العقول الإلكترونية”
تجاوز تأثير الجمل مجرد التدريس في جامعة “ستانفورد”، التي ترأس فيها قسم الهندسة الكهربائية لسنوات؛ بل كان رائدًا في ابتكار “مصفوفات البوابات القابلة للبرمجة” (FPGA)، هذه التقنية هي باختصار “العمود الفقري” للدوائر المتكاملة التي يمكن إعادة تشكيلها لتنفيذ مهام مختلفة، مما منح مرونة هائلة لصناعة الحواسيب والأنظمة الرقمية الحديثة.
ولم يتوقف عند هذا الحد، بل كان له الفضل الأكبر في تطوير مستشعرات الصور (CMOS)، وهي التكنولوجيا التي نستخدمها جميعاً اليوم في كاميرات الهواتف الذكية، قاد الجمل مشروع “الكاميرا الرقمية القابلة للبرمجة”، ليضع حجر الأساس لثورة التصوير الرقمي التي نعيشها الآن.
“نوبل” المعلومات.. وتكريم “نوابغ العرب”
على مدار مسيرته، كان الجمل “صياداً” للجوائز المرموقة، فحصد جائزة “كلود شانون” عام 2012، وميدالية “ريتشارد هامنج” عام 2016، وهي أرفع الأوسمة في عالم تكنولوجيا المعلومات.
وفي عام 2025، جاء التكريم من وطنه العربي بجائزة “نوابغ العرب” عن فئة الهندسة والتكنولوجيا، تقديراً لمساهماته التي لم تقتصر على الأبحاث النظرية التي تجاوزت الـ 230 بحثاً، بل امتدت لتؤصل علماً يُدرس في أرقى جامعات العالم عبر كتابه المرجعي “نظرية المعلومات والشبكات”.
قصة نجاح تتجاوز الأرقام
إن قصة عباس الجمل ليست مجرد سرد لمسيرة مهندس ناجح، بل هي نموذج للمثقف العربي الذي استطاع أن يفرض رؤيته في أكثر الأماكن تنافسية في العالم “سيليكون فالي”، هو الأستاذ الذي تخرج على يديه قادة صناعة التكنولوجيا اليوم، والباحث الذي جعل من اسم مصر مرادفاً للابتكار في أدق تفاصيل الهندسة الإلكترونية.