تحليل تكنتبه: نوران علي
تعيش تونس اليوم أزمة اقتصادية ومعيشية هي الأشد ضراوة منذ ثورة 2011، حيث تحولت حياة المواطن اليومية إلى معاناة مستمرة وسط انقطاعات متكررة للكهرباء، وانقطاع المياه في عدد واسع من المدن التونسية، فضلاً عن النقص الحاد في السلع الأساسية وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة.
انهيار خدمي واحتجاجات
هذا الانهيار الخدمي والمادي لم يعد مجرد أزمة عابرة، بل فجّر موجة من الاحتجاجات الليلية والتحركات الغاضبة التي اتسعت رقعتها في شوارع عدة مدن، لتُعيد إلى الأذهان المشاهد الأولى للغضب الشعبي الذي سبق إطاحة نظام زين العابدين بن علي.
في المقابل، بدا الرئيس قيس سعيد معزولاً عن الواقع الميداني بشكل كامل، إذ يصر في خطاب مكرر على تفسير الأزمة المعيشية بشماعة “المؤامرة” واتهام “المخربين والمحتكرين” بالتآمر على الدولة، دون تقديم معالجات اقتصادية ملموسة تعيد الخدمات للناس أو تضمن قوت يومهم.
هذا التناقض بين الخطاب السياسي الجاف والمنفصل عن الواقع للرئاسة، وبين الواقع الميداني المحتقن يزيد من اتساع الفجوة بين السلطة والشارع.
خريطة سياسية واجتماعية معقدة
على الصعيد السياسي، تزداد الخارطة التونسية تعقيداً؛ فالأحزاب والقوى السياسية والمعارضة المشتتة تجد نفسها أمام لحظة فارقة تتطلب تجاوز الانقسامات لتشكيل جبهة موحدة، بينما يقف الاتحاد العام التونسي للشغل بما يمتلكه من ثقل تاريخي ونقابي في المنتصف، مراقباً تآكل الشرعية الاجتماعية للنظام ومدركاً أن الشارع قد يتجاوز الجميع إذا ما بلغت الأزمة نقطة اللاعودة.
ولم يعد الخطر المحدق بتونس يقتصر على حدود الانكماش الاقتصادي، بل يمتد إلى شلل في جهاز الدولة وعجزها عن تلبية أبسط حقوق المواطن، مما يجعل الشارع التونسي يغلي تحت وطأة التهميش.
تمسك السلطة بنظرية المؤامرة وتجاهل مطالب الشارع الأساسية لا يلغيان الحقائق على الأرض.
وإن استمرار هذا الانسداد السياسي والانحدار الاقتصادي يجعل المشهد التونسي مفتوحاً على احتمالات الانتفاضة الشاملة، فالإصرار على النهج الحالي قد يضع قيس سعيد على السير نحو ذات المصير السياسي الذي آل إليه زين العابدين بن علي، حين أصبحت قطاعات واسعة من الشعب ترى أن التغيير الشامل هو المخرج الوحيد من النفق المظلم، وأن ساعة الحسم القادمة قد لا تترك مجالاً للحلول الوسط.