لم تكن أزمة قناة السويس عام 1956 مجرد عدوان عسكري، بل كانت معركة سيادة وإرادة كشفت حدود القوة الاستعمارية، وأعادت رسم خريطة النفوذ في المنطقة، فبينما واجهت مصر تحالفا ثلاثياً ضم بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، فينا عرف بالعدوان الثلاثي، كانت تمتلك سلاحاً أخطر من الجيوش: قرارًا سياسياً مدروسًا، وإرادة شعبية صلبة، وعملاً استخباراتيا سبق لحظة المواجهة بسنوات.
في هذا التحقيق، يكشف “القصة” كيف خاضت مصر واحدة من أعقد معاركها السياسية في القرن العشرين، ولماذا تحولت قناة السويس من ممر مائي إلى عنوان للاستقلال وبداية انهيار الإمبراطوريات القديمة.
عبد الناصر وخطة السنوات الأربع.. التأمين لم يكن قرارًا مفاجئاً
كشف محمد الشافعي، الكاتب الصحفي والمؤرخ في مقاومة العدوان الثلاثي، عن كواليس ما كان يخطط له الرئيس جمال عبد الناصر، مؤكدًا أن عبد الناصر كان يدرك منذ وقت مبكر أن هناك أمرًا مطلوباً يعرف بـ”تأمين قناة السويس”.
وأوضح لـ”القصة” أن عبد الناصر قابل الدكتور مصطفى الحفناوي، أحد أكبر علماء وخبراء القناة عام 1951، وصاحب واحدة من أهم الموسوعات عن قناة السويس، وذلك في أغسطس 1952، حيث قال له: “احكي لي يا دكتور مصطفى عن قناة السويس”.
وبعدما انتهى الحفناوي من سرده، قال له عبد الناصر: “أخرج الإنجليز أولاً، ثم أقوم بتأمين قناة السويس”.
وأشار الشافعي، إلى أنه في 17 نوفمبر 1952، وبعد الثورة بخمسة أشهر فقط، عقد عبد الناصر اجتماعا موسعا بالزمالك، حضره ضباط الجيش المصري من رتبة مقدم حتى لواء، وبحضور اللواء محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة آنذاك، وألقى خلاله الدكتور مصطفى الحفناوي محاضرة شاملة عن قناة السويس.

سبع لجان سرية لتأمين القناة
وأضاف الشافعي، أن عبد الناصر شكل سبع لجان لتأمين قناة السويس، لم تكن أي لجنة تعرف شيئًا عن الأخرى، وكان التنسيق بينها يتم من خلال علي صبري عضو مجلس قيادة الثورة، بالتعاون المباشر مع جمال عبد الناصر.
وأكد أن قرار تأمين قناة السويس الذي أعلن بعد ستة أيام من سحب تمويل السد العالي في 20 يوليو 1956، لم يكن وليد اللحظة، بل كان ثمرة عمل استمر أربع سنوات كاملة من 1952 إلى 1956.
اعتراف الصين الشعبية ودعم الثورة الجزائرية.. لماذا غضب الغرب؟
وأشار، إلى أن مصر قبل تأمين القناة اعترفت بالصين الشعبية، في وقت كانت فيه تايوان “فورموزا” تمثل الصين في الأمم المتحدة، وهو ما دفع دول العالم لاحقًا للاعتراف ببكين.
كما لفت إلى أن جمال عبد الناصر كان يدعم الثورة الجزائرية ضد فرنسا، التي كانت تريد ضم الجزائر لأراضيها، بينما كانت بريطانيا تسعى للحفاظ على وجودها في قاعدة قناة السويس، قبل أن تُجبر على توقيع اتفاقية الجلاء عام 1954.
كل هذه الأسباب – بحسب عبد الشافي – جعلت العدوان الثلاثي على مصر حتميا.
من سيناء إلى بورسعيد.. سيناريو العدوان
أوضح الشافعي، أنه في 29 أكتوبر 1956 بدأ الهجوم الإسرائيلي بإنزال مظلي في سيناء، أعقبه إنذار بريطاني فرنسي للقوات المصرية والصهيونية بالانسحاب عشرة كيلومترات بعيدًا عن القناة، رغم أن القوات الإسرائيلية لم تكن قد وصلت أصلا إلى هذا العمق.
رفض عبد الناصر الإنذار، ووقف في الأول من نوفمبر 1956 على منبر الأزهر ليقول كلمته الشهيرة: «سنقاتل.. سنقاتل.. سنقاتل.. نحن لا نستسلم ولن نستسلم».
بورسعيد.. المدينة التي تحولت إلى مقاومة
أرسل عبد الناصر قطارا محملا بالأسلحة إلى بورسعيد، حيث تسلح شباب المدينة بما استطاعوا حمله، ودخل المدينة ضابطا المخابرات عبد الفتاح أبو الفضل وسمير غانم، وبدأ تشكيل مجموعات مقاومة شعبية، بلغ عددها 12 مجموعة، بقيادة الرائد كمال الصياد، إلى جانب مجموعة أخرى بقيادة محمد عبد الله.
وأوضح أن القوات البريطانية والفرنسية لجأت إلى خدعة رفع أعلام دول صديقة فوق دباباتها، قبل أن تسحق المدنيين في الشوارع، لكن بورسعيد تحولت بالكامل إلى بؤرة مقاومة.
عمليات نوعية هزت الاحتلال
وسرد نماذج من العمليات البطولية، أبرزها عملية عم السيد عسران، الذي قتل جون ويليام، قائد المخابرات البريطانية في مصر لمدة 20 عامًا، عبر خدعة عبقرية استخدم فيها قنبلة داخل رغيف خبز، وكان عمره وقتها 17 عامًا.
كما أشار إلى عملية خطف الضابط البريطاني أنطونيو مورهاوس، القريب من الملكة، و مقتله داخل الصندوق، وتدمير دبابات العدو على يد مجموعات الصاعقة بقيادة جلال هريدي.
الإنذار السوفيتي وقرار مجلس الأمن
أدت هذه المقاومة إلى توجيه الاتحاد السوفيتي إنذاراً بإمكانية استخدام السلاح النووي، كما أرسلت الولايات المتحدة إنذاراً آخر، وأصدر مجلس الأمن قرارًا بوقف القتال، واضطرت بريطانيا وفرنسا للاستجابة رغم امتلاكهما حق الفيتو، لأن تأمين قناة السويس كان قانونياً بنسبة 100% لمصر.
الدرس المستفاد من خطأ عرابي
أشار محمد الشافعي، إلى أن عبد الناصر استفاد من خطأ أحمد عرابي عام 1881، حين خدعه ديليسبس بعدم إغلاق القناة، فتمكن الاحتلال من العبور، بينما أغلق عبد الناصر القناة، فحاصر القوات المعتدية داخل بورسعيد.
أول اختبار حقيقي للنظام الجديد
من جانبه، قال الدكتور حسن سلامة، المتخصص في العلوم السياسية، “القصة” أن أزمة السويس عام 1956 مثلت أول اختبار حقيقي للنظام السياسي المصري الناشئ بعد ثورة 23 يوليو 1952 في ذلك الوقت، كانت مصر حديثة العهد ببناء الدولة الحديثة، وكانت تواجه تحديات ضخمة على صعيد العلاقات الدولية، خصوصًا مع بريطانيا، التي كانت الحديث عن انسحابها من مصر قد بدأ يتبلور، ومع العدوان الثلاثي المتوقع الذي كان يضم فرنسا وبريطانيا وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.
وأكد سلامة أن هذه الدول كانت متحالفة ضد مصر، و استهدفتها في مواقع عدة، لكن مصر نجحت في فرض إرادتها واستكمال مشروعها الوطني، بفضل حالة الاصطفاف الوطني الشعبي والرسمي التي شكلت قوة ضاغطة أمام الأطراف الدولية، مما جعل مصر تصمد في مواجهة القوى الكبرى.
النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.. الثنائية القطبية والتوازنات الكبرى
وأوضح سلامة أن النظام الدولي في تلك الفترة كان يعرف بالنظام الثنائي القطبي، حيث تقود الكتلة الغربية الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، بينما تتزعم الكتلة الشرقية الاتحاد السوفيتي. وكانت كل من بريطانيا وفرنسا تعتبران من القوى الأوروبية المؤثرة، لكن مصالحهما كانت مرتبطة بالولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تتحكم في التوازن العام.
وأشار سلامة إلى أن فكرة المؤامرة الغربية بقيادة الولايات المتحدة، بدعم بريطانيا وفرنسا، كانت مفهومة في سياق المصالح المشتركة لهذه الدول، رغم أنها لم تكن مسيطرة بالكامل على المنطقة. وفي هذا الإطار، لعبت إسرائيل دورا داعماً ضمن هذه التحالفات، ما شكل تهديداً حقيقيا لمصر الناشئة.
وأكد أن مصر، رغم كل هذه الضغوط، التزمت بالأساليب الدبلوماسية والقانونية وفق القانون الدولي، مستغلة كل أداة مؤسسية متاحة لمواجهة أطراف لا تعترف بالقانون، بل بمنطق القوة، ما جعل الأزمة منعطفا مهما في تاريخ الدولة المصرية الحديثة.
تأثير الأزمة على صورة القوى الكبرى
وأوضح سلامة أن الأزمة لم تغير الجوهر الاستراتيجي لبريطانيا وفرنسا، لكنها أثرت على صورتهم ومكانتهم، خصوصًا أن مصر كانت في بداية بناء نظام سياسي حديث، وبين أن حالة الاصطفاف الوطني الداخلي أعطت مصر قوة إضافية، جعلت هذه الدول تعيد حساباتها، وإن لم تفقد كامل نفوذها في أوروبا أو العالم.
عبد الناصر كمثال للدولة التنموية
وأشار سلامة إلى أن جمال عبد الناصر كان نموذجاً ملهما لكثير من الدول العربية، يحظى بالاحترام والتقدير حتى من أعدائه ونجح عبد الناصر في تأسيس مشروع الدولة التنموية، التي تمتلك القدرة على بناء مسارات تنموية فعالة، والمساهمة في محيطها العربي و الإفريقي، ضمن إطار عدم الانحياز، ما جعل مصر لاعباً إقليمياً مؤثراً في النظام الدولي.
وأضاف أن مشروع الدولة التنموية كان نتاج رؤية استراتيجية واضحة، استطاع عبد الناصر أن يواجه من خلالها تحديات ضخمة، ويحقق نجاحات متتالية أثبتت قدرة الدولة المصرية على إدارة الأزمات الكبرى.
النظام الدولي منطق القوة والصراع المستمر
واختتم سلامة تحليله بالقول إن النظام الدولي بطبيعته قائم على الصراع ومنافسة القوى، حيث يحدد المنطق الحاكم في العلاقات الدولية القوة سواء كانت صلبة أو ناعمة، أو حتى عبر أدوات حديثة مثل الاستثمار والقوى الذكية.
وأكد أن هذا المنطق يوضح أن العالم ليست فيه مثالية كما تقول النظريات المثالية، بل واقع يتسم بسعي كل طرف، سواء دولة أو كيان غير دولي، لتحقيق مصالحه، وأزمة السويس 1956 كانت إحدى أبرز الحالات التي أظهرت هذا الواقع، وكيف استطاعت مصر إدارة أزمتها بذكاء، وحافظت على مصالحها القومية والسياسية، ما جعلها نموذجاً يحتذى به في مواجهة القوى الكبرى.
ليست أزمة السويس الحادثة الوحيدة لنجاح مصر
بدوره، أوضح الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية أن تأمين قناة السويس لم يكن بالضرورة الحالة الوحيدة التي تمكنت فيها مصر من مواجهة قوة كبرى، لكنه شدد على أن الأزمة كانت نموذجاً استثنائياً لما يمكن أن تحققه الدولة المصرية حين تواجه تحالفا من ثلاث دول كبيرة: إسرائيل المجهزة بأحدث الأسلحة، فرنسا، وبريطانيا، والتي كانت تحظى بدور قيادي في النظام الدولي بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وأكد نافعة لـ “القصة” أن النجاح المصري لم يكن محدودا بالقدرات العسكرية فقط، بل بالاستراتيجية السياسية والفكرية التي قادت إلى انتصار سياسي واضح رغم الانسحاب العسكري من بورسعيد، مشيرًا إلى أن الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة لعبا دوراً حاسما في فشل العدوان الثلاثي، كل وفق مصالحه.
دور القوتين العظميين في فشل العدوان
أوضح نافعة أن الولايات المتحدة، رغم أنها كانت السبب في الأزمة بداية عبر سحب تمويل السد العالي، إلا أنها وقفت ضد العدوان و أدانت الأطراف المعتدية، مستغلة الفرصة لتعزيز نفوذها في المنطقة والتأكد من عدم تهميش التيار القومي بقيادة عبد الناصر.
وفي الوقت نفسه، كان الاتحاد السوفيتي يهدد بريطانيا وفرنسا بضربها بالصواريخ إذا لم يوقفا العدوان، مما دفع الدولتين للتراجع ووقف الهجوم رغم امتلاكهم حق الفيتو في مجلس الأمن، وأضاف نافعة أن موقف القوتين العظميين ساعد مصر على استغلال الأزمة لتحقيق مصالحها الوطنية والقومية، بما في ذلك دعم حركة تحرر الوطن العربي وتقوية مكانتها الإقليمية.
أزمة السويس وبداية نهاية الإمبراطورية الأوروبية
أوضح نافعة أن أزمة السويس كانت بداية النهاية للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في المنطقة، حيث أعقبها انسحاب تدريجي للقوات البريطانية، وتراجع النفوذ الفرنسي بعد نجاح الثورة الجزائرية واستقلالها، وهو ما مثل نقلة نوعية لمكانة مصر في العالم العربي.
وأشار نافعة إلى أن مصر، من خلال إدارتها للحرب والسياسة، تحولت إلى قوة إقليمية كبرى قادرة على قيادة التيار القومي العربي، وأثبتت أن الدول الصغيرة يمكنها مواجهة القوى الكبرى بنجاح إذا ما استغلت التوازنات الدولية بذكاء.
الاستراتيجية المصرية في مواجهة ثلاث قوى كبرى
وأوضح نافعة أن حرب السويس تعتبر واحدة من أكبر المعارك التي خاضتها دولة من العالم الثالث ضد دول كبرى وانتصرت فيها، حيث نجحت مصر في إدارة الأزمة بكفاءة عالية، ولم يقتصر انتصارها على الجبهة العسكرية فحسب، بل امتد ليشمل الجانب السياسي والدبلوماسي والقانوني.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ساهمتا بشكل مباشر في فشل العدوان الثلاثي، كل وفق مصالحه: فالاتحاد السوفيتي أراد توسيع نفوذه في الشرق الأوسط، فيما سعت الولايات المتحدة لإثبات قيادتها للعالم الغربي واحتواء التيار القومي الذي ظهر بقوة في المنطقة.
أثر الأزمة على مشاريع التنمية المصرية
واختتم نافعة، أن هذا الانتصار الكبير مهد الطريق للرئيس جمال عبد الناصر لبناء مشروع السد العالي والحصول على عوائد قناة السويس، مؤكداً أن المستفيد الأكبر كان مصر، التي تمكنت من تعزيز سيادتها الوطنية ومكانتها الإقليمية، وتحقيق نماذج ناجحة للدولة التنموية في مواجهة التحديات الدولية المعقدة.