أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

لا تلوموا الجائعَ لأنه باع صوته

انتهت الانتخابات، وأُعلنت النتائج، وامتلأت الشاشاتُ بأسماء الفائزين.. لكن الصورة التي بقيت عالقة في ذهني لم تكن ورقةَ نتائج أو وجوهًا مرشَّحة، بل كانت صورًا لأشخاص يرتدون “الجلابية” الصعيدية، نُشرت صورهم مع بيانات رسمية على صفحات وزارة الداخلية، في وقائع رشوة انتخابية، وغيرها من الشوائب التي طالت العملية برمتها.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: كيف يتحوَّل مجتمع تتشكَّل هويته من قيم الدين والكرامة إلى بيئة تنتشر فيها هذه الممارسات؟ وكيف سيقودنا الآن نائبٌ لمدة خمس سنوات جاء عن طريق “المال السياسي”؟ وماذا ننتظر ممن اشترى الكرسي النيابي بـ 300 جنيه، وصلت في بعض الدوائر إلى 600 جنيه؟

بمعزل عن حقيقة الواقعة أو براءة المتهمين حتى تثبت إدانتهم قضائيًا، يظلُّ ما أثار في نفسي غضبًا وحزنًا عميقين ليس التهمةَ ذاتها، بل “الجلابية”؛ هذا الرمز الذي يعني، بالنسبة لي وللكثيرين، الهويةَ والأصلَ والوقار. في مشهد مفارق، التحمت هويةُ الكرامة باتهام المساس بالنزاهة، فكانت الطعنةُ أعمقَ من أن تُصيب شخصًا بعينه، بل أصابت رمزًا اجتماعيًا راسخًا في الوجدان الجمعي.

أخبار ذات صلة

من ذاكرة التاريخ
من ذاكرة التاريخ
IMG_4265
خالد يوسف يكتب: شهادتي: هل كان خوض "صباحي" لانتخابات الرئاسة 2014 باتفاق؟
حالة الطقس
أجواء خريفية على شمال البلاد.. والعظمى بالقاهرة 31

فالجلابيب في صعيد مصر ليست مجرَّد قطعة قماش تُلبس للدفء، بل هي “عقد اجتماعيّ” غير مكتوب، يشهد لصاحبه بالرجولة والوقار وحمية الدم. هي زي العزة الذي يُرفع في وجه الظلم، لا زي المساومة الذي يُخفَض في سوق المزايدة؛ فكيف انقلب الحال؟ وكيف صار هذا الملبس الأصيل غطاءً يُراد له، بلا خجل، أن يستر صفقات تمسُّ نزاهة التصويت؟

الإجابة لا تكمن في البحث عن “طبيعة بشرية” فاسدة، بل في واقع اقتصادي خانق حوَّل كلَّ شيء إلى سلعة، بما في ذلك “الصوت”. سمعتُ ذلك بنفسي من شابٍّ يعمل “عامل يومية” في إحدى قرى الصعيد، حين قال ببساطة موجعة: “لو دفعوا لي 300 جنيه، سأذهب وأصوِّت.. هما ساعتان لا أكثر، ألبس فيهما الجلابية النظيفة، وأستريح يومًا من الشغل”. هنا تتكشَّف المعادلة في أبشع صورها: “ساعتان في اللجان” تساوي “يومية عمل”.

لم يعد الصوتُ أداةً للتغيير، بل أجرًا لاستراحة مؤقتة من عناء الحياة.. وعند هذه النقطة ينهار المعنى السياسي كله. إن ما يحدث في دوائرنا ليس مجرَّد “تجاوزات” عابرة، بل هو عرض لمرض أعمق: تحوُّل السياسة إلى ترف لا يقدر عليه إلا المموِّلون، وتحوُّل المواطن إلى رقم في صفقة يائسة؛ فالمحروم من كرامة العيش لا يمكن أن نطالبه بالدفاع عن كرامة الصندوق، والجائع الذي يبحث عن قوت يومه لا نستطيع أن نحاسبه إذا باع صوته بقوته.

وهذه ليست معادلةً فردية، بل قانونٌ تاريخي عام: لا استقرار سياسيًا دون عدالة اقتصادية. ومصر التي نتحدث في جلساتنا عن دورها الإقليمي وهيبتها التاريخية، لن تستعيد مكانتها الحقيقية إلا إذا بدأت من الداخل.

فقوة الأمم تُقاس اليوم بصلابة اقتصادها قبل ترسانتها العسكرية. إن إصلاح الأوضاع، وتحسين حياة المواطنين، وضمان كرامتهم، ليست مجرَّد شعارات أخلاقية، بل هي ضرورات سياسية قصوى.

فالاهتمام بالصناعة والزراعة والتصدير، والعدالة في توزيع الأجور، وسياسات حماية الدخل، والربط بين التنمية الاقتصادية والمشاركة السياسية، وفهم احتياجات سوق العمل، وتنويع مصادر الدخل؛ هي سمات الدول التي تمتلك ثقلًا حقيقيًا، ومن يملك الثقل الاقتصادي يملك بالضرورة الثقل السياسي.

ولا تنتهي الحكاية عند صناديق الاقتراع. فهناك، عند باب مطعم في يوم جمعة، وقف طفل في الثالثة عشرة من عمره، بملابس نظيفة لا توحي بالفقر المدقع، وقال ببراءة: “عمو، ممكن تجيب لي سندوتش طعمية؟”، ثم يضيف، بعد لحظة: “ممكن كمان سندوتش بطاطس؟”.

هذا المشهد الذي شاهدته بنفسي، يجب أن يهزَّ ضميرَ أيِّ مسؤول، ولذلك كتبته لعل هذا الكلام يصل إلى الأجهزة المسؤولة بالدولة؛ إن هذا النداء الصادم من طفل يحافظ على مظهر الكرامة رغم الحاجة، هو صرخة مدوية تكشف أن أساس مجتمعنا أصبح هشًّا. إنه نداء من “الطبقة المستورة” التي بدأت تتآكل، وإشارة واضحة إلى أن الأساس المجتمعي الذي تُبنى عليه السياسات أصبح مهدَّدًا.

ولذلك، قبل أن نلوم من باع صوته، علينا أن نسأل أنفسنا: أيَّ حياة تركناها له ليتمسك بها؟

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

أحمد الطنطاوي
أحمد الطنطاوي: الدستور ليس وعودًا.. فنصوصه ملزمة وكل ما دونه يجب أن يلتزم بها
8943cd45-5ed4-49bb-83fe-0d218f70419c
 من عينة المنشطات إلى الإيقاف 4 سنوات.. قصة قضية هزت مسيرة نجم بيراميدز
أزمة اقتصادية
إعلاميون يحذرون واقتصاديون مندهشون.. كيف نصل لحقيقة الأزمة الاقتصادية الوشيكة؟
FB_IMG_1789925891918
جيل الوسط يطرح تشكيل "الجبهة الوطنية لحماية الدستور" ويدعو لحوار سياسي حولها

أقرأ أيضًا

25e51197-a4cf-4578-b9cf-cb46d74c3d30
جورجيت شرقاوي تكتب: دحلان على كل الحبال.. والشرق الجديد يطبخ في الغرف المغلقة
حزب التجمع
مذكرة للبرلمان لبحث رفع الحصانة عن المتورطين باقتحام "تجمع الدقهلية"
aca237f8-34f8-47ed-ae4f-74f96248e9c8
هناء زكي تكتب: لصوص ربيع العمر
الأزمة الاقتصادية في مصر
رسائل إعلامية بأزمة اقتصادية وشيكة.. ماذا يفعل المصريون؟