عندما طلب مني الزميل والصديق عمرو بدر الكتابة عن ثورة يناير، اعتقدت أنه لا جدوى من الكتابة عن يناير أو غير يناير، ولكني قلت لنفسي: ألم يكن فضل الله عليك عظيما؟ نعم، على مستوى حياتي ووجودي نفسه كان فضل الله عليّ عظيما، فقد نجوت بأولادي الأربعة إلى الحياة بعد أن كنا جميعا، مثلنا مثل آلاف المصريين، عشبًا طريًا لينًا تحت أقدام الأفيال، وكان مصير العُشب هو الموت قنصًا متعمدا أو قتلا طائشا فطيسا، ونمضي نسيًا منسيًا بعد حين.
كان الأولاد متفرقين في أنحاء القاهرة، لا يعلم أي منّا عن الآخر شيئًا، فلا اتصالات ولا رؤية ولا أمل في نجاة.
ولكن فضل الله كان عظيما ونجونا.
غابت البوصلة عنا جميعا، فقد كنا منتجًا من منتجات عهد مبارك، فلا توافق على رؤى ولا إمكانية لتحسين الأداء بين المختلفين عقائديا وسياسيا، وتخبط الجميع بين الأفيال، بين الإخوان والمجلس العسكري، وبينهم وبين أنفسهم، وسيطرت الأنانية تارة والانتهازية تارة، وقلة الوعي ربما.
فكان طبيعيا أن يتفق الإخوان والمجلس العسكري علينا، اتفقوا وبدأت التصفية الأولى لنا، ثوارا وشعبا خرج من أجل العيش والكرامة، ولكن بعد الاتفاق أيضا كان فضل الله علينا عظيما، فبعد أن فقدنا توازننا وغامت الرؤية، انقشع الغبار وعاد الوعي بتاريخ الإخوان، ما يفسر الصفقات والتوافقات، ويكشف الإتجار بالدين والسياسة والناس، ويسقط الإخوان أخلاقيا ووجدانيا من نفوس المصريين.
وبعد عام واحد تتم التصفية الثانية باستدعاء الشعب المصري كله، لتتحول ثورة يناير إلى المسار الموضوعي لبناء دولة فيها عيش وحرية، وتعتدل الموازين التي اختلت طويلا بفعل النهب والقهر وعطب المجتمع بخلل في جهازه القيمي.
ارتفع منسوب الأمل والتوقع وإمكانية الخلاص، ثم راحت السكرة واتضحت الفكرة وسقطت الأوهام، وبدأت التصفية الثالثة بمحاولات متواصلة لا تتعثر ولا تنتظر، من أجل إفقار وقهر وقمع كل من ثار أو فكر أو كان لديه حلم أو أمل، وهنا أيضا كان فضل الله علينا عظيما، فقد تخلصنا من الأوهام والخلل في الدماغ، خلل استولى علينا وجعلنا بين قوسين حاصرا وعينا سنينا
والآن ونحن في العام الخامس عشر بعد ثورة يناير، وبعد أن وضعت عنوانا يقول: الثورة وصراع الأفيال، وبموت العُشب وهزيمته في حلم المستقبل، حلم بلا خوف ولا فقر ولا قمع، حلم يعرف أعداءه القريبين والبعيدين، الواضحين والمستترين، هنا أيضا كان فضل الله علينا عظيما، فالوعي يلازم الحلم، والانتصار ليس بعيدا رغم عدم رؤية علاماته، إلا أن الرهان الآن على الوعي الوارد من الضيق والشدة والخوف، ومصر اللي في خطفة زمن تعبر وتسترد الاسم والعناوين.