في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتقاطع فيه حروب مفتوحة، و نزعات انفصالية، وصراع دولي محموم على الممرات البحرية، فجرت إسرائيل أزمة جديدة في قلب القرن الإفريقي، بإعلان اعترافها الرسمي بإقليم “أرض الصومال” الانفصالي بوصفه “دولة مستقلة وذات سيادة”.
خطوة لم تمر مرور الكرام، ولم تقرأ باعتبارها تحركاً دبلوماسياً معزولا، بل اعتبرها خبراء ودبلوماسيون مغامرة سياسية خطيرة تهدد الأمن العربي والإفريقي، وتفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط النفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة واستراتيجية، مع تداعيات مباشرة تطال أمن البحر الأحمر، باب المندب، وقناة السويس، والأمن القومي المصري.
خلط أوراق القرن الإفريقي وتهديد وحدة الصومال
يرى الدكتور رمضان قرني، المتخصص في الشؤون الإفريقية، أن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم “أرض الصومال” يمثل خلطا متعمداً للأوراق الإقليمية في القرن الإفريقي، وانتقاصا صريحاً من سيادة الدولة الصومالية وسلامتها الإقليمية، في توقيت بالغ الدقة تسعى فيه مقديشو لإعادة بناء مؤسساتها الوطنية، ومواجهة التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها حركة الشباب.
ويشير قرني لـ” القصة” إلى أن خطورة الخطوة لا تتوقف عند بعدها الرمزي، بل تمتد إلى كونها ثالث اعتراف دولي بالإقليم بعد تايوان وإثيوبيا، ما قد يفتح الباب أمام اعترافات أخرى محتملة من دول إقليمية أو دولية، وهو ما ينذر بتكريس واقع انفصالي جديد داخل القارة الإفريقية.
من الاعتراف السياسي إلى التعاون الأمني والعسكري
بحسب قرني، فإن الاعتراف الإسرائيلي يكرس واقعا فعلياً للتعاون بين تل أبيب وسلطات الإقليم، لا سيما على الصعيدين الأمني والعسكري، في ظل تقارير تحدثت عن نشر رادارات إسرائيلية داخل أراضي أرض الصومال، بما يعكس وجودا أمنياً متقدما سبق الإعلان السياسي بوقت ليس بالقليل،
ويؤكد أن هذا الوجود الإسرائيلي ليس وليد اللحظة، بل يمثل تتويجا لتعاون عسكري وأمني ممتد، يهدف بالأساس إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية، في مقدمتها مراقبة التحركات الإيرانية و الحوثية، وتحويل الإقليم إلى نقطة إنذار مبكر للأمن القومي الإسرائيلي.
البحر الأحمر وباب المندب في قلب الاستهداف
يحذر قرني من أن الاعتراف الإسرائيلي يحمل تداعيات مباشرة على مستقبل الأمن الإقليمي في البحر الأحمر، حيث تسعى إسرائيل – وفق تحليله – إلى السيطرة على المداخل الشمالية والجنوبية للممر الملاحي، عبر وجودها في إيلات شمالا، وسعيها لترسيخ نفوذها جنوبا بالقرب من خليج عدن ومضيق باب المندب.
ويشير إلى أن تحويل أرض الصومال إلى قاعدة مراقبة وإنذار مبكر يمنح إسرائيل أفضلية استراتيجية غير مسبوقة في التحكم بحركة الملاحة، ويمثل تهديداً مباشراً لمصالح مصر الحيوية، وعلى رأسها قناة السويس.
تحالف ثلاثي يهدد الأمن المصري
أحد أخطر السيناريوهات التي يطرحها الدكتور رمضان قرني يتمثل في احتمالية تشكل تحالف ثلاثي إثيوبي–إسرائيلي–أرض الصومال، يهدف إلى تمكين إثيوبيا من موطئ قدم على سواحل البحر الأحمر، بالمخالفة الصريحة للقانون الدولي، بما في ذلك تفعيل خطوط نقل وسكك حديدية بين ميناء بربرة وأديس أبابا.
ويؤكد قرني أن هذا السيناريو يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري، ليس فقط بسبب الوجود الإثيوبي المحتمل على البحر الأحمر، ولكن أيضًا بسبب تقاطع هذا التحالف مع دولة تحمل مواقف عدائية لمصر، ما يضع البوابة الجنوبية لقناة السويس تحت ضغط استراتيجي غير مسبوق.
تشجيع النزاعات الانفصالية.. والسودان في قلب الخطر
لا يستبعد قرني أن يؤدي الاعتراف الإسرائيلي إلى تشجيع حركات انفصالية أخرى داخل القارة الإفريقية، في انتهاك صريح لمبدأ قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو أحد أعمدة الاتحاد الإفريقي.
ويحذر بشكل خاص من تداعيات محتملة على السودان، مشيرًا إلى أن ميليشيا الدعم السريع قد تجد في الخطوة الإسرائيلية سابقة تشجعها على السعي لإعلان كيان مستقل في غرب السودان، بدعم إقليمي محتمل، ما ينذر بانفجار خريطة القارة سياسياً وأمنيا.
الاعتراف الإسرائيلي وكسر التوازن الإقليمي
ومن جانبه، قال السفير حجازي مساعد وزير الخارجية الأسبق، لـ “القصة” إن صومالي لاند، منذ إعلان انفصالها عن الصومال عام 1991، حافظت على معادلة دقيقة بين الاستقرار الداخلي النسبي وغياب الاعتراف الخارجي، ما سمح للإقليم بالحفاظ على استقلال فعلي دون تهديد القانون الدولي لوحدة الدولة الصومالية.
وأكد أن الاعتراف الإسرائيلي “كسر هذا التوازن بشكل غير مسؤول و متهور، وخلق سابقة سياسية خطيرة في منطقة شديدة الحساسية لمسألة الحدود والسيادة”.
تحركات إسرائيل العملية.. بين الدبلوماسية والتخطيط الأمني
وأشار السفير إلى أن التحركات الإسرائيلية لم تقتصر على إعلان سياسي، بل ترافقت مع إشارات عملية، بما في ذلك فتح قنوات دبلوماسية مباشرة، وتبادل بعثات غير رسمية، وبدء مشاورات للتعاون في مجالات الزراعة والتكنولوجيا والأمن البحري.
وأضاف حجازي: “حتى إذا قدمت هذه التحركات في إطار التعاون المدني، فهي تحمل دلالات استراتيجية أعمق، خاصة مع الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة للحوثي والصراعات الممتدة من غزة إلى جنوب البحر الأحمر”.
ردود الفعل الإقليمية والدولية
أكد السفير أن الرد الصومالي كان سريعًا و حادا، إذ سارعت مقديشو إلى تفعيل قنواتها الدبلوماسية وعقد جلسات طارئة على المستويين الأفريقي والدولي، معتبرة الخطوة “انتهاكاً صريحاً للسيادة ووحدة أراضيها”.
وأوضح أن الاتحاد الأفريقي ومختلف التجمعات الإقليمية أصدرت بيانات تؤكد أن صومالي لاند جزء لا يتجزأ من الصومال، محذرين من أن أي اعتراف خارجي بالإقليم يقوض أسس الاستقرار الإقليمي، ويشجع الحركات الانفصالية في القارة.
إثيوبيا ومخاوف التحالف الثلاثي
قال حجازي إن إثيوبيا، التي تبحث منذ سنوات عن منفذ بحري استخباراتي وعسكري، تراقب المشهد بدقة، موضحاً أن تقاطع المصالح مع إسرائيل و صومالي لاند قد يحول القضية إلى منصة لإعادة رسم التوازنات في القرن الإفريقي.
وأكد أن أي وجود أمني أو استخباراتي إسرائيلي دائم في الإقليم سيضيف عنصراً جديداً إلى معادلة بحر يعج بالقواعد العسكرية الدولية والتنافس الإقليمي، ما يرفع المخاطر على الملاحة الدولية والتجارة العالمية وأسواق الطاقة.
مصر والبحر الأحمر.. الأولوية القصوى
أكد السفير حجازي أن القاهرة “تتابع التطورات بعين حذرة، نظرًا لارتباط مصالحها الحيوية بأمن البحر الأحمر وقناة السويس”.
وأضاف: “التحركات المصرية ركزت على التنسيق مع الشركاء الأفارقة والدوليين عبر بيانات مشتركة، تؤكد دعم وحدة الدولة الصومالية، ومنع أي عسكرة جديدة للبحر الأحمر، مع التأكيد على ثوابت احترام السيادة الوطنية وقدسية الحدود”.
تحديات النظام الدولي والمخاطر التراكمية
قال حجازي إن الاعتراف الإسرائيلي بصومالي لاند “يمثل اختباراً للنظام الدولي ذاته، في ظل عالم تتراجع فيه قوة القواعد أمام سطوة الوقائع”، مضيفاً أن مجلس الأمن الدولي قد يضع حدودا للخطوة غير القانونية ويعيد تأكيد الثوابت الدولية.
وأشار إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في “التداعيات التراكمية إذا ما تبعت الاعتراف ترتيبات أمنية أو اقتصادية تغير التوازنات القائمة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر”.
الدور المصري والسعودي في مواجهة المخاطر
أكد السفير أن القاهرة تعمل على الإسراع بالدعوة لعقد مجلس التعاون للدول المطلة على البحر الأحمر بمقره بالرياض، بالتنسيق مع السعودية، لمناقشة المخاطر المحيطة بالقرار الإسرائيلي وتداعياته على الاستقرار الإقليمي.
وأضاف: “الموقف المصري يوازن بين دعم وحدة الدولة اليمنية ومنع الانقسام، وتأمين الملاحة في خليج عدن وباب المندب، وحماية الممرات والموانئ البحرية وقناة السويس باعتبارها شريانا حيوياً للاقتصاد الوطني وللتجارة العالمية”.
مواجهة التحديات باليقظة السياسية والدبلوماسية
واختتم حجازي قائلاً: “الاعتراف الإسرائيلي بصومالي لاند ليس حدثا عابرا، بل حلقة في سلسلة تحركات تسعى لإعادة تشكيل خرائط النفوذ في مناطق الفراغ الاستراتيجي المطلوب إدارة الملف بحكمة لمنع تحوله إلى بؤرة توتر جديدة، مع الحفاظ على القواعد الأساسية للنظام الدولي واحترام سيادة الدول”.