لا تبدو أزمة فرع بنك مصر في الإمارات مجرد واقعة رقابية عابرة، فبينما يتحرك مصرف الإمارات المركزي لإجراء تفتيش عاجل، تواصل وزارة الخزانة الأمريكية وشبكة مكافحة الجرائم المالية «FinCEN» إجراءاتها المتعلقة بالفرع، لتضع المعاملات العابرة للحدود أمام اختبار حساس يتجاوز حدود الملف القانوني.
وفيما تؤكد الأطراف الرسمية أن الإجراءات تأتي في إطار المراجعة الفنية والرقابية، فإن تداعياتها المحتملة تمتد إلى مناطق أكثر حساسية في العمل المصرفي، من ثقة العملاء وتكلفة التمويل التجاري، إلى التعاملات بالدولار وعلاقات المراسلة مع البنوك الدولية.
ولا يتعلق الخطر، وفق تقديرات خبراء تحدثوا لـ«القصة»، بملاءة بنك مصر أو قدرته على الاستمرار، بقدر ما يتعلق بإمكانية ارتفاع مخاطر الامتثال، وما قد يترتب عليها من تشدد البنوك المراسلة في التعامل مع فرع البنك بالإمارات.
تفتيش تحت ضغط خارجي
يرى هاني أبو الفتوح، الخبير المصرفي، أن التفتيش العاجل الذي قرره مصرف الإمارات المركزي لا يبدو إجراءً رقابيًا روتينيًا، خصوصًا في ظل توقيته وارتباطه بتحركات وزارة الخزانة الأمريكية.
ويقول أبو الفتوح لـ«القصة» إن هذا التطور يمكن قراءته باعتباره استجابة رقابية لضغط خارجي واضح، لكنه لا يعني بالضرورة أن البنك يتجه إلى عقوبات جديدة.
ويشير إلى أهمية التفرقة بين الإجراء الرقابي والعقوبة، موضحًا أن الطرح الأمريكي يستهدف قدرة فرع بنك مصر في الإمارات على الاحتفاظ بحسابات مراسلة، بينما يمثل تحرك المصرف المركزي الإماراتي مرحلة فحص واحتواء للمخاطر.
وبالتالي، فإن ما يجري، بحسب الخبير المصرفي، لا يمثل حكمًا نهائيًا بإدانة البنك أو قرارًا بوقف نشاطه.
الخطر يبدأ من الثقة
لكن التداعيات الأكثر حساسية قد لا تنتظر صدور قرار عقابي نهائي، إذ يرى أبو الفتوح أن الخطر الحقيقي يكمن في رد فعل البنوك المراسلة والعملاء.
فالبنوك المراسلة، بحسب قوله، لا تحتاج دائمًا إلى انتظار عقوبة مكتملة حتى تعيد تقييم علاقتها بمؤسسة تخضع للتدقيق، إذ يكفي ارتفاع مستوى مخاطر الامتثال حتى تطلب مستندات إضافية أو تبطئ بعض المعاملات أو تضيق نطاق العلاقات التي تقبلها.
ومع انتقال الأزمة من ملف رقابي إلى قرارات تشغيلية، قد يظهر الأثر الاقتصادي تدريجيًا عبر زيادة التدقيق، وإطالة زمن التحويلات، وارتفاع تكلفة التشغيل، وصولًا إلى تراجع القدرة على خدمة التجارة الدولية والعملاء عبر الحدود بالكفاءة المعتادة.
الدولار وسويفت.. أين الخطر؟
ويشير أبو الفتوح إلى أن تأكيد بنك مصر استمرار خدماته وتواصله مع وزارة الخزانة الأمريكية يخفف من احتمالات حدوث اضطراب فوري، لكنه لا يحسم تأثير الأزمة على الأعمال المستقبلية أو القدرة على جذب الودائع.
كما يؤكد أن مجرد التفتيش لا يعني توقف شبكة «سويفت» أو التحويلات بين مصر والإمارات، موضحًا أن «سويفت» تعمل كشبكة لإرسال تعليمات الدفع بين المؤسسات المالية، بينما تتم عملية نقل الأموال وتسويتها عبر البنوك.
ويتركز التأثير المحتمل، بحسب الخبير المصرفي، على تعاملات فرع بنك مصر في الإمارات بالدولار، إذ إن إقرار القاعدة الأمريكية المقترحة قد يحد من قدرة البنوك الأمريكية على تنفيذ تعاملات البنك بالدولار عبر حساباتها.
لكن ذلك، في المقابل، لا يعني توقف جميع التحويلات أو خروج بنك مصر من شبكة «سويفت».
إيران حاضرة في الخلفية
ويؤكد أبو الفتوح أن البعد الجيوسياسي حاضر بقوة في الأزمة، خصوصًا مع تشديد الرقابة الأمريكية على المعاملات المرتبطة بإيران.
وتنتقل هذه الضغوط، بحسب رؤيته، عبر المؤسسات المالية إلى دول أخرى، قبل أن تتحول إلى إجراءات امتثال محلية، وهو ما يضع البنوك الإقليمية أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على خدمة العملاء والوصول إلى النظام المالي الدولي.
ويرى أن القضية تمثل اختبارًا لقدرة بنك مصر والجهة الرقابية الإماراتية على إغلاق أي فجوة في الامتثال بسرعة، قبل أن تتحول الواقعة المحددة إلى مشكلة ثقة أوسع.
ويحذر من أن الخطر الأكبر قد يتمثل في تحرك البنوك المراسلة قبل انتهاء التحقيق، بحيث تفرض إجراءات احترازية أشد مما تفرضه العقوبات الرسمية حتى الآن.
فصل فرع الإمارات عن البنك الأم
ومن زاوية أخرى، يرى الدكتور إبراهيم جلال فضلون، المتخصص في العلاقات الدولية، أن أزمة فروع بنك مصر في الإمارات تبدو أضيق من الناحية القانونية من فرض عقوبات على البنك ككل، لكنها أكثر خطورة من تفتيش مصرفي عادي من الناحية العملية.
ويشير إلى أن أصول الفروع، التي تبلغ نحو 5.75 مليار دولار، تمثل نحو 8% من البنك الأم و1.4% من القطاع المصرفي، وبالتالي فإن الخطر الأساسي لا يرتبط بملاءة البنك، وإنما بإمكانية الوصول إلى الدولار، وعلاقات المراسلة، والسمعة الائتمانية.
ويضيف أن مقترح شبكة «FinCEN» الأمريكية بشأن فروع الإمارات يرتبط بشبهة معالجة نحو 1.8 مليار دولار لشركات مرتبطة بشبكات ظل إيرانية، بالتزامن مع تدقيق جنائي عاجل أطلقه مصرف الإمارات المركزي.
القاهرة أمام اختبار دبلوماسي
ويقول إبراهيم جلال فضلون لـ«القصة» إن الاستراتيجية المصرية المثلى في التعامل مع الأزمة تعتمد على «دبلوماسية الهدوء»، مع العمل على الفصل بين الدوائر القانونية وعزل فروع بنك مصر في الإمارات عن البنك الأم.
ويشمل ذلك، بحسب رؤيته، تقديم ملفات شفافة تثبت مشروعية المعاملات، وتفعيل اتفاقية مبادلة العملات بين البنكين المركزيين، إلى جانب الاستفادة من منصة «بُنى» لتسوية المعاملات بالعملات المحلية.
ويرى أن هذه الأدوات يمكن أن تساعد في حماية حركة التجارة وتحويلات العاملين، وتقليل الاعتماد على قنوات المقاصة الأمريكية، دون الدخول في صدام مباشر مع قواعد النظام المالي الدولي.
ويؤكد أن التحرك الإماراتي يمكن فهمه باعتباره إجراءً احتوائيًا لحماية النظام المصرفي الإماراتي من العقوبات الثانوية، خصوصًا بعد خروج الإمارات من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي «FATF»، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الشراكة الاستراتيجية مع مصر.
هل تنجو المعاملات؟
ويقدر خبير العلاقات الدولية أن التأثير المباشر للأزمة قد يظهر في ارتفاع تكلفة التمويل التجاري، وزيادة علاوة المخاطر، وتشدد البنوك المراسلة في التدقيق، لكنه لا يرى أن هذه التطورات تعني بالضرورة أزمة سيادية كبرى.
ويستند في ذلك إلى قوة الاحتياطيات وتدفقات تحويلات المصريين بالخارج، فضلًا عن إمكانية إعادة توزيع بعض تدفقات التمويل لصالح البنوك الإقليمية الكبرى ومراكز مقاصة اليوان.
ويشدد على أن تنويع عملات التسوية يظل خيارًا مشروعًا، بشرط ألا يتحول إلى وسيلة لإخفاء معاملات محظورة أو تجاوز قواعد الامتثال الدولية.
ويعتبر أن المؤشر الأهم خلال الأسابيع المقبلة سيكون عدد البنوك المراسلة التي قد تنهي علاقاتها مع بنك مصر؛ فإذا ظل العدد قريبًا من الصفر، ستبقى الأزمة في نطاقها المحدود، أما إذا اتسع، فستتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام المصرفي المصري على النفاذ إلى الأسواق الدولية.
سطوة النظام المالي الأمريكي
ومن منظور سياسي، يرى الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية، أن الأزمة تعكس تحديًا أوسع يتعلق بطبيعة النظام المصرفي الدولي والنفوذ الأمريكي داخله.
ويشير إلى أن المعاملات المصرفية العابرة للحدود أصبحت تخضع لشبكة واسعة من القواعد والإجراءات، تمنح المؤسسات المالية الأمريكية، وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة، قدرة كبيرة على التأثير في حركة الأموال عالميًا.
ويستشهد الرقب بتجارب سابقة، من بينها قضية البنك العربي، التي قال إنها دفعت العديد من البنوك العربية إلى تشديد الحذر في تعاملاتها الدولية، خوفًا من التعرض لإجراءات عقابية أمريكية.
أزمة مصرفية أم اختبار سياسي؟
ويرى الرقب أن الإجراءات المتعلقة ببنك مصر أعادت طرح أسئلة حول حجم النفوذ الذي يمارسه صانعو القرار المالي في الولايات المتحدة على النظام المصرفي العالمي، في ظل الترابط الواسع بين المؤسسات المالية واتفاقيات المراسلة والتسوية.
ومع ذلك، يستبعد وجود دوافع سياسية مباشرة وراء الأزمة أو محاولة لاستخدامها كأداة ابتزاز إقليمي لمصر، مؤكدًا أن العلاقات بين مصر والإمارات والسعودية تظل قوية ومتقدمة.
ويشدد على ضرورة التعامل مع التطورات باعتبارها إجراءً مصرفيًا وتنظيميًا في المقام الأول، وترك تقييم الموقف القانوني للجهات المختصة، بعيدًا عن التفسيرات السياسية المتعجلة التي قد تزيد من تعقيد المشهد.
في النهاية، لا يبدو الاختبار الحقيقي لبنك مصر مرتبطًا فقط بما ستنتهي إليه التحقيقات، وإنما بما ستفعله البنوك المراسلة خلال الفترة المقبلة. فالعقوبة الرسمية ليست المؤشر الوحيد على حجم الخطر؛ أحيانًا يكفي أن تتغير شهية البنوك الدولية للمخاطرة حتى ترتفع تكلفة الأموال وتتباطأ حركة التجارة.
وهنا تحديدًا يبقى السؤال الأهم: هل تنتهي الأزمة عند حدود فرع بنك مصر في الإمارات، أم تمتد آثارها إلى علاقة البنك بالنظام المالي الدولي؟