يعتقد كثير من الناس أن بلوغ الستين هو بداية خريف العمر؛ يشبّهونه بالأشجار حين يأتي الخريف، فتتساقط أوراقها، وتجف أغصانها، ويخفت اخضرارها، حتى تبدو للناظر كأنها عجوز أنهكها الزمن، ولم يعد بينها وبين السقوط سوى لحظات.
أما أنا، فأرى الأمر على نحو مختلف تمامًا.
أرى الستين ربيعًا جديدًا للعمر.
ربيعًا لا يأتي في موعده المعتاد، ولا يحتاج إلى تقويم أو فصل من فصول السنة. ربيع يأتي حين يفرغ الإنسان من كثير من مسؤولياته، ويجد نفسه للمرة الأولى منذ سنوات طويلة واقفًا أمام ذاته.
في الستين، قد تكون قد أتممتَ كثيرًا من المهام التي حملتها على كتفيك ثلاثين أو أربعين عامًا.
كبر الأبناء، وأتموا دراستهم، وتخرجوا، وبدأوا طريقهم في الحياة. اطمأننت إلى مستقبلهم، وفرحت بتكوين أسرهم وإنجاب أبنائهم. وفي مشوارك المهني، حققت قدرًا من النجاح، أو على الأقل فعلت ما استطعت، وبذلت ما يكفي من الجهد حتى تصل إلى هذه اللحظة.
وفجأة…
تشعر أن حملًا ثقيلًا قد انزاح عن كتفيك.
تلتفت حولك، فتكتشف أن من اعتدت أن تعيش من أجلهم أصبح لكل واحد منهم عالمه الخاص، وأن ما تبقى لك ليس قليلًا كما كنت تظن…
ما تبقى لك هو أنت.
أنت، وروحك، وأحلامك القديمة التي أجلتها طويلًا، وربما تنازلت عنها من أجل الآخرين.
وهنا يبدأ الربيع.
حان وقت أن تروي ذاتك بعد سنوات من العطاء، وأن تمنح روحك ما حُرمت منه طويلًا. حان وقت أن تزرع من جديد، وأن تسقي براعم أحلامك التي ظننت يومًا أنها ذبلت.
نم حين تشاء، واستيقظ متى شئت. مارس الرياضة، اقرأ، سافر، اضحك، العب مع الأطفال، تعلم شيئًا جديدًا، وافعل الأشياء التي كنت تؤجلها دائمًا بحجة أن الوقت لم يحن بعد.
لقد حان الوقت.
وما أجمل أن يكتشف الإنسان، بعد ستين عامًا من عمره، أن الوقت لم ينتهِ…
بل بدأ يأخذ شكله الذي يريده هو.
في هذا العمر، لا تنمو الأشجار إلى أعلى فقط؛ بل تنمو جذورها أعمق.
وهكذا الإنسان.
قد تخف سرعة خطاه، لكن رؤيته تصبح أعمق. وقد يقل اندفاعه، لكن حكمته تصبح أكبر. ويصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما يستحق أن يمنحه عمره، وما لا يستحق منه لحظة واحدة.
أما العبادة، فلها في هذا الربيع مذاق آخر؛ تمنح الروح سكينة، والقلب طمأنينة، والنفس أمانًا، وتعلّم الإنسان أن يتوكل على الخالق بعدما أدرك، عبر سنوات عمره، أن كثيرًا من الأمور لا يملكها إلا هو.
لذلك، لا تخشَ الستين.
لا تنظر إليها باعتبارها بابًا يُغلق، بل نافذة تُفتح.
عش ما تبقى من عمرك لنفسك، لا أنانيةً، وإنما وفاءً لذاتك التي أعطت كثيرًا، وصبرت كثيرًا، وانتظرت طويلًا.
دع أوراقك تخضر من جديد، ودع براعمك تتفتح، ودع روحك تزهر بألوان لم تعرفها من قبل، وتفوح منها رائحة الفل والياسمين.
فربما كان أجمل ما في العمر…
أن تصل إلى الستين، فتكتشف أنك لم تصل إلى النهاية.
بل وصلت أخيرًا…
إلى نفسك.