لم تكن تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي عن الانتخابات اليوم وطلبه من الهيئة الوطنية أن تفصل في الطعون حتى لو وصل الأمر إلى إلغاء المرحلة الأولى كلها أو بعضها، مجرد كلام عابر، بل كانت تذكيرًا بمعنى ظل غائبًا طويلًا: لا شيء يحمي البلد من العتمة إلا قلم يكتب بلا خوف، وصحافة تكشف ما حدث بلا تردد.
إنها باختصار الصحافة الحرة.
منذ بداية الانتخابات الحالية اخترنا في موقع القصة أن نقف في مساحة العمل الصحفي الحقيقي، لا نجامل ولا نضخم، لا نهون ولا نهول، لكن في كل الأحوال لن نسكت.
كتبنا ونشرنا عن الانتخابات ما رأيناه بصدق وبلا تردد، لم يحاصرنا الخوف المنتشر، ولم تؤثر فينا تحذيرات من رآنا نتجاوز الخطوط الحمراء، قدمنا للقاريء والمتابع بالصورة والفيديو والتقرير المكتوب ما وثقناه، وما رصدناه من تجاوز للقانون.
كان انحيازنا فيما كتبنا للبلد وحقه في انتخابات نزيهة وحرة وتنافسية، وللصحافة وحقها في نشر ما يريد البعض إخفاءه.
اليوم يشير رئيس الجمهورية بنفسه إلى ما نشرناه ونشرته الصحافة الحرة، التي لم تقع في فخ الإشادة والتصفيق لمشهد لا يستحق.
بعد تصريحات السيسي يرتسم المشهد من جديد.
لا يمكن للصحافة الحقيقية أن تقف في مقاعد المتفرجين، ولا يجب أن تجمّل القبيح، ولا أن تصفق للباطل.
الصحافة هي مرآة المجتمع، وعين المواطن، وصدى صوت المظلومين، والرقيب الذي يضمن أن يظل القانون هو الفيصل بين الصحّ والخطأ، وبين الحق والباطل.
الصحافة ليست حزبًا سياسيًا، ولا جماعة مصالح، ولا محكمة تصدر الأحكام، لكنها الضمير الذي يدافع عن المجتمع حين تتزاحم الأهواء على أبواب السلطة، والإيمان الشجاع بضرورة أن يسود العدل والمساواة والحرية مهما دفعت من أثمان.
آن الأوان أن ترفع الصحافة الحرة التي كشفت كل تجاوزات المرحلة الأولى من الانتخابات رأسها عاليًا، فقد انتصرت على نفسها، والتزمت التزامًا أمينًا بنشر الصدق، في الوقت الذي خاف البعض وارتعش، ووقع في مستنقع الترويج والتهليل لأخطاء وتجاوزات تسد عين الشمس.
آن الأوان أن يدرك كل من يحاصر الصحافة أو يفرض عليها القيود أنه يرتكب جريمة في حق البلد نفسه، وفي حق المصريين الذين ينتظرون وطنًا تسود فيه قيم العدل والمساواة والحق والحرية، اليوم يؤكد رئيس الجمهورية بنفسه أن الطريق الذي سارت فيه الصحافة الحرة منذ البداية كان صحيحًا ووطنيًا ونقيًا ومخلصًا للعدل والحقيقة.
آن أن يدرك من بيده السلطة أنه ليس في عداء مع حرية الصحافة، بل أن الصحافة الحقيقية هي التي تحمي المجتمع، وتشير بأصابع القانون إلى كل انحراف، وأن أي انتخابات لا تكتمل من دون عين مستقلة ونزيهة تراقب وتوثق وتتكلم وتكشف المسكوت عنه.
آن الأوان أن يتراجع هؤلاء الذين يخشون من الحقيقة، والذين يأملون أن تظل البلد صوتًا واحدًا ورواية واحدة على أنقاض مصر ومستقبل شعبها.