“ياما طول عمري رضيت منك آسية
لما داب أملي وأنا بتمنى ودك”
هذا بحال من الأحوال ليس مجرد كوبليه غنته الست أم كلثوم، بل حالة عاشتها الست وجعلت الجمهور يعيشها، وكادت أن تبكي مرتين لكنها بصعوبة بالغة تمالكت دموعها في حين لم يتمالك كثير من الجمهور دموعه وما زالوا.
أم كلثوم ليست مجرد فنانة مرت في تاريخ مصر؛ الست هي جزء لا يتجزأ من تاريخ هذا الوطن وإحدى أهم قواه الناعمة.
أم كلثوم لم تعد حتى ملكًا لمصر بل صارت ملكًا لجمهور عربي واسع يمتد من المحيط للخليج.
لم يجتمع العرب في الخمسينيات والستينيات على أحد كما اجتمعوا على جمال عبد الناصر وأم كلثوم، الشوارع العربية كانت تخلو تقريبًا من المارة فقط حين يخطب جمال عبد الناصر وحين تغني أم كلثوم.
لم تكن أم كلثوم مجرد فنانة عبّرت بالغناء عن حالات الحب والوجد والشجن والفراق بل آمنت بالشعب وأحلامه ولعبت دورًا وطنيًا في قضايا أمتها وانحازت لوطنها في أزماته بما قدمته لصالح المجهود الحربي.
في الثامن والعشرين من سبتمبر ١٩٧٠ تدفقت أمواج هائلة من البشر في شوارع القاهرة تودع محبوبها وبطلها القومي جمال عبد الناصر كانت أكبر جنازة جرت في التاريخ. بعدها بعام في أول حفلة غنت فيها الست بعد رحيل جمال عبدالناصر بكته وأبكت معها الجمهور وهي تغني “ودارت الأيام”.
وفي الثالث من فبراير عام ١٩٧٥ خرجت القاهرة تودع محبوبتها التي دوما أبهجتهم وأشجتهم وأبكتهم، في جنازتها بكت الجماهير وبكت العواصم العربية.
“الست لا تُسمع لتبهج؛ الست تُسمع لتُشجِي” هكذا قال صديقي الذي أدماه الفراق والمدمن لصوت الست بينما كنت أتمايل متوجعًا معها وهي تغني ” كيف أنسى ذكرياتي وهي أحلام حياتي .. إنها صورة أيامي على مرآة ذاتي.”
المدمنون لصوت أم كلثوم يتعاطونها كنوع من المخدر، لا ليُذهب وعيهم، بل لمزيد من الألم، المدمنون لصوت الست هم الناجون من الضربات القاتلة، هؤلاء الذين نجوا من الموت لكنهم لم ينجوا من الحياة، هؤلاء المصابون بالنوستالجيا والهشاسة وفرط الإدراك، الذين لم تُسعفهم الحياة بحياة، فيُسعفون أنفسهم بآهات الست، يتطهرون من الألم بمزيد من الألم مع صوتها و”الليل ودقة الساعات في عز الليل”
المدمنون للست لم تُفتح لهم زاوية في الفرح، فيفتحون أبوابًا مع صوتها في البكاء.
حافظت الست طوال حياتها على صورتها العامة في المخيلة الجماعية كهرم رابع، وبعد رحيلها حافظ الجمهور على تلك الصورة.
في الكواليس جرت عدة محاولات لهدم أم كلثوم لم تكن مجرد محاولات عبثية بل كانت ممنهجة في إطار سعي البعض لسحب البساط من تحت أقدام مصر وإنهاء ما تبقّى من قواها الناعمة وكمحاولة لخلق عاصمة عربية أخرى كبديل عن القاهرة التي دومًا فتحت أبوابها لكل موهبة عربية.
كل محاولة خبيثة جرت للانتقاص من صورة أم كلثوم هي ضرب لرمز من رموز هذا الوطن الذي للأسف يترك رموزه عرضة لكل من هب ودب!
منذ السبعينيات وحتى اللحظة لا يتوانى فريق معلوم بالاسم والرسم والانتماء والتوجه عن محاولات ضرب كل قيمة وهدم كل رمز وتحطيم كل نموذج في هذا الوطن، انهالوا على جمال عبد الناصر بمعاول الهدم مدفوعة الأجر للدرجة التي أزعجت عواصم عربية ودعتها للتساءل حول من يقف خلف تلك الحملة وأهدافها.
في مقال مطول طالب المرشد العام الثالث للإخوان المسلمين عمر التلمساني بهدم السد العالي لا لسبب علمي بل كنوع من الانتقام من رمز بناه الرجل الذي أنهى حلم الجماعة في السلطة.
وخرج الشيخ كشك على المنابر يلعن السد العالي وبانيه والسبب أنه ” كان عندنا السمك أشكال وألوان” هكذا برر بالكلمة والحرف والفاصله أسباب دعوته للعن باني السد العالي، بل زاد وعرج على أم كلثوم في وصلة لعن ” امرأة تخرج على المسرح وتقول خدني لحنانك خدني يا أخي أخذك المولى عز وجل”!
لم تقف الحملة عند الإسلاميين، بل شارك فيها يساريون وليبراليون وجواسيس وخونة ولم تقف عند عبد الناصر وأم كلثوم بل انتقلت إلى أحمد عرابي ومحمد حسنين هيكل وطه حسين وعبد الحليم حافظ وبرج القاهرة والصناعات الثقيلة والصناعات التحويلية والاستراتيجية والإصلاح الزراعي، ودور مصر في محيطها العربي والأفريقي والإسلامي والدولي، حتى الأهرامات لم تسلم فقد طالب البعض بهدمها باعتبارها أصنام!
كانت الحملة مسعورة وخزائن الأموال المفتوحة التي رصدتها عاصمة عربية كبرى لحملة التشويه بالوكالة عن أميركا أسالت اللعاب ودفعت كثيرون للمشاركة في حملات الهدم والتشويه، وصدرت مئات المذكرات لأشخاص ادعوا لأنفسهم دورًا وموقفًا في التاريخ، رغم أنهم لم يُضبطوا يومًا متلبسين بموقف أو حتى بكلمة.
ورغم مرور كل تلك السنوات التي افتتحها ودشنّها مؤسس دولة العلم والإيمان لم تتوقف حملات الهدم والتشويه ولم تغلق العاصمة العربية خزائن أموالها بعد -وقد اعترف ولي عهدها منذ سنتين في حوار له مع الواشنطن بوست وكنوع من العتاب على الولايات المتحدة كيف واجهوا المشروع الوطني التحرري في مصر-
خمسون عامًا والحملة مستعرة ومعاول الهدم تمارس دورها المرسوم، حملات بعد حملات وأكاذيب تلو أكاذيب وماكينة التشويه والتحطيم تطلق نيران حقدها الأسود صوب كل رمز، ويتولى تزويدها باكأذيبه وكيل جهاز استخباراتي سابق ومعه جوقة من المرجفين يعملون بالأجر ويوزعون ولاءاتهم بين لندن وعاصمة صاحب النفط الأسود الذي ربما نفطها أقل سوادًا من قلوبهم.
وتحت ستار الفن ورعايته بدأوا عملًا لا يستهدفون منه سوى هدم أم كلثوم ومحاولة تهشيم صورتها في المخيلة الوطنية والذاكرة الجمعية.
المثير أن بعضًا من أبناء هذا البلد المحزون يسايرونهم في غيهم إن بوعي أو بدونه، لكن ما لا يدركه كثيرون أن تلك الحملات لها هدف وغاية، هدفهم أن يفقد هذا الوطن كل قيمة في تاريخه كمحاولة لخلق حالة من الضياع وتمييع الهوية، وغايتهم تثبيت حالة من الهزيمة وتعميق الشعور بها، وبالتالي فالأمة المستهدفة المهزومة في أعماقها والتي بلا قيمة ولا رمز ولا نموذج أمه تائهة، فاقدة للبوصلة، متخبطة الانتماء والهوية بلا قدرة على المواجهة ولا رغبة في المقاومة وقابلة لما تجود به سماحة الغالبين.
لكن رغم كل محاولاتهم ستبقى أم كلثوم تغني لليل ونجومه وسماه وقمره وللنيل وشمس الأصيل، وسيبقى صوت عبد الناصر يقض مضاجع الأقزام الذين تتضاءل قاماتهم أمام حذائه، وستُطل صورته مع كل مقاوم يشهر سلاحه في وجه أعداء الأمة ووكلائها.
وستغني أم كلثوم ثوار مع البطل اللي جابه القدر.
وستبقى القاهرة رغم كل ما مر بها وما تعرضت له ساحرة ساهرة مع صوت الست، قد تمرض وتعتل لكنها أبدًا لن تموت.
فلا تشاركوا في هدم رموزكم ولا تجعلوا دموع أم كلثوم تُفلت من عينيها.