في الوقت الذي تتزايد فيه الأحاديث الدولية عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من إعادة إعمار غزة، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما تُروِّج له التصريحات الرسمية، تتشابك الحسابات السياسية مع الشروط الأمنية، ويتصدر ملف سلاح حركة حماس المشهد كعقدة رئيسية تعطل الانطلاق الفعلي لعملية الإعمار.
وبين التزام مصري بقرارات مجلس الأمن، وتعنت إسرائيلي يعرقل أي تقدم، وتردد دولي في ضخ التمويل دون ضمانات، تبرز سيناريوهات متباينة لإدارة القطاع، تتراوح بين رؤية مصرية تقوم على إدارة فلسطينية تكنوقراطية، ومحاولات أمريكية لإعادة تشكيل المشهد عبر لجان دولية ورؤساء دول، في ظل مخاوف عربية من تكرار نماذج الوصاية والانتداب.
“القصة” يرصد عبر مصادر دبلوماسية وخبراء بالشأن الفلسطيني ملامح المرحلة الثانية لإعادة إعمار غزة، كما هي على طاولة القرار، لا كما تُعرض في البيانات، كاشفًا ما يدور خلف الكواليس من صراعات وشروط قد تحدد مستقبل القطاع لسنوات قادمة.
مصر والالتزام بقرار مجلس الأمن
كشف السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن مصر التزمت بقرار مجلس الأمن 2803 الصادر في 17 أكتوبر 2025، وأن الجهود منصبة حاليًا على بدء التفاوض حول المرحلة الثانية كما نصت عليها خطة السلام في غزة، والملحقة بقرار مجلس الأمن المذكور.
وأوضح هريدي، خلال حديثه لموقع “القصة”، أن أي حديث عن إعادة الإعمار في الوقت الراهن يعد سابقًا لأوانه، لارتباطه بانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، فضلًا عن ضرورة وجود ضمانات أمريكية بعدم تكرار الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع، مؤكدًا أن هذه الضمانات لن تتوفر إلا بعد حسم ملف نزع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية المسلحة الأخرى.
العراقيل الإسرائيلية وتعطيل الانطلاق
ومن جهة أخرى، يقول السفير معصوم مرزوق، وزير الخارجية الأسبق الفلسطيني، لـ”القصة”، إنه من الواضح أن الكيان الصهيوني لا يزال يقدم العراقيل أمام أي خطوة للأمام، ومن البديهي أن إعادة الإعمار هو اصطلاح ينصرف إلى مساحة جغرافية محددة، وهي ما لا يزال الكيان يتهرب من الالتزام بها، لذلك إذا لم تكن هناك ضغوط أمريكية جادة وقوية، فلا أظن أن خطة الإعمار سوف تبدأ قريبًا.
وأشار مرزوق، إلى أن إدارة قطاع غزة أيضًا لا يزال سؤالًا مفتوحًا على كافة الاحتمالات، لأنه يرتبط أساسًا بمصير المقاومة الفلسطينية في غزة، وأتصور أن الموقف المصري الذي تم الإعلان عنه في هذا الصدد يمكن البناء عليه إذا سلمت النوايا، ولكنني أتشكك في ذلك.
التمويل.. معركة دبلوماسية مرهقة
وأضاف أن التمويل سوف يتطلب جهدًا دبلوماسيًا مرهقًا وخلاقًا؛ فهناك تردد من دول الثروة العربية، وعدم وضوح لدى المجتمع الدولي، وأظن أن مصر وبعض الدول الفاعلة يمكن أن تتبنى تحركًا دبلوماسيًا يعتمد على خطة إعمار متدرجة، تضمن في المرحلة الأولى مهمة إنقاذ للبشر بتوفير البنية الأساسية في المياه والطاقة والمستشفيات، مع تنفيذ مساكن سابقة التجهيز بتوسع، على أن يتم الانتقال إلى السكن الفعلي في مرحلة لا تتجاوز خمسة أعوام.
تصريحات واشنطن ليس إلا أهواء اللحظة
واختتم مرزوق: لم أعد أعول على التصريحات المتناثرة من واشنطن، لأنها لا تعكس رؤية واضحة ومحددة، بل تخضع لأهواء اللحظة، موضحًا رأيه الشخصي قائلًا: “أنا شخصيًا أعترض مبدأ لجنة أجنبية للحكم، لأن الشعب الفلسطيني ليس قاصرًا، وأظن أن محاولة صنع بريمر جديد سوف تفشل، ولن تستقر الأوضاع إلا بإدارة فلسطينية من شخصيات يشهد لها بالجدارة والإرادة، بالتنسيق مع دول الجوار العربية”.
الرؤية المصرية لإدارة القطاع
وفي رؤية سياسية أخرى، أوضح د. هاني الجمل، المحلل السياسي بالشأن الفلسطيني، لـ”القصة” أن من وجهة نظره للمرحلة الثانية لإعادة إعمار غزة، وطبقًا لوجهة نظر الورقة المصرية التي قُدِّمت قبل ذلك، هو دعم لجنة الإسناد بالتدريب الذي قامت به مصر وقام به جزء أوروبي، ودعم السلطة الفلسطينية لتولي الأمور بعد إيجاد الإسناد في المرحلة الانتقالية، التي يُقدَّر لها حتى هذه اللحظة بحوالي ستة أشهر.
وبالتالي هنا رؤية مصرية تتسم بالتنسيق مع نقابة المهندسين المصرية بمحاولة إعادة استغلال الردم الموجود بالأطنان وإعمار غزة بمربعات مختلفة، يتم على أساسها عدم تهجير الفلسطينيين، وأيضًا بناء البنية التحتية الخاصة بهم طبقًا لهذه المربعات، مما يعني أن هذه المرحلة من إعمار غزة تستغرق ما يقرب من أربعة إلى خمسة أعوام، مع الإصرار على استمرار الدعم الدولي المالي ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية التي قد تعرقل هذه الجهود. هذه الورقة المصرية، التي تتكلف – من وجهة نظره – إذا تم اللجوء إلى هذه المرحلة، خاصة في ظل العنف الإسرائيلي، بانتظار رفات الجندي الأخير للحصول عليه من قبل حماس.
أمريكا وتغيير الحسابات
وأشار الجمل إلى أن مصر قد تحدثت أكثر من مرة في هذا الشأن، أن الجهة التي تتولى إدارة القطاع هي جهة تكنوقراط من التقنيين الفنيين الفلسطينيين الأقدر على هذا الأمر، خاصة أن قطاع غزة مكوَّن من مجموعة من الفصائل المختلفة في الأيديولوجية، وبالتالي وجود فرقاء فلسطينيين لإدارة القطاع هو الأفضل في هذا الشأن.
أما الرؤية الأمريكية بوجود لجنة لإدارة القطاع، فقد تكون حكمًا عسكريًا وقد تكون لها أطراف أوروبية، ووجود قوة دولية متعددة الجنسيات قد يكون له بعض الإشكاليات لاختلاف هذه الرؤية.
وطبقًا للرؤية المصرية، ترى أن المرحلة الأولى قد انتهت، وواجب اللجوء إلى المرحلة الثانية، لأن ما قامت به العمليات العسكرية الإسرائيلية من تغيير ديموغرافي في المنطقة الخاصة بقطاع غزة قد يؤثر بشكل سلبي على الحصول على رفات الجندي الإسرائيلي، ومن ثم إذا تم السماح بوجود العديد من الآليات الكبرى لإعادة الإعمار وإزالة الركام من المنطقة، فقد يساهم ذلك في إيجاد هذه الرفات.
وأوضح، أن التعنت الإسرائيلي بعدم إدخال آليات الحفر والتنقيب يعرقل هذا الجزء، فضلًا عما أحدثته العديد من القنابل والصواريخ التي غيرت بشكل كبير الطبيعة الخاصة لهذه المنطقة. إضافة إلى ذلك، الأجواء الشتوية الكبيرة والأمطار الغزيرة التي قد تجرف بعض الأماكن الخاصة بحالات الدفن التي حدثت في السابع من أكتوبر، وبالتالي يجب أن يكون هناك التحول إلى المرحلة الثانية قفزًا على هذه النقطة التي تتعنت فيها إسرائيل، من أجل أن يكون هناك هدوء نسبي في هذه المنطقة، ومحاولة أن تكون بالفعل الخطوة القادمة هي إعادة الإعمار بشكل إيجابي. إضافة إلى ذلك أيضًا، وجود المرحلة الثانية هو ضمان لعدم تكرار العمليات العسكرية الإسرائيلية مرة أخرى على القطاع، خاصة مع وجود ضمانات أمريكية، والتي يجب أن تحدث قبل الانتخابات الإسرائيلية المزمع انعقادها في 2026.
أمريكا تغير رؤيتها لإدارة القطاع
واختتم الجمل حديثه، قائلًا: إن الإدارة الأمريكية في الوقت الراهن لها أكثر من وجهة نظر في إدارة القطاع، ويمكن بعد الرفض العربي والإقليمي لتولي توني بلير الجهة التنفيذية لمجلس السلام، وأن يكون هو المنوط به – طبقًا للتصنيف الهرمي أو التطبيق الهرمي – إدارة القطاع، وهو ما جعل الإدارة الأمريكية في حرج شديد، وبالتالي تم سحب ترشيح توني بلير. ومن ثم ظهرت مخاوف من بعض الدول من الانضمام إلى هذه القوة متعددة الجنسيات لإدارة القطاع، بعد إعلان أمريكا عن وجود شخصية عسكرية قد تقوم بهذا الشأن، ومن ثم يعد هذا نوعًا من أنواع الانتداب الأجنبي على أرض فلسطينية، ترفضه الدول العربية والإسلامية، وأيضًا السلطة الفلسطينية.
وأضاف أن أمريكا في هذا التوقيت تحاول أن تعيد تموضع القوات الأمريكية في منطقة شرق الفرات في سوريا، ومن ثم أيضًا غزة، حتى تجد لها مأربًا في هذه المنطقة، خاصة مع الانسحاب الإيراني، ووجود رغبات إسرائيلية في التوسع، ووجود تمركز لروسيا والصين في هذه المنطقة، وبالتالي تأخذ أمريكا من هذه الفرصة غطاءً لتواجد مباشر.
وأشار إلى أن بعد هذا الرفض الدولي، تحاول أمريكا اختيار شخصيات من رؤساء الدول في محاولة لإعطاء زخم وقوة لهذه اللجنة، ومن ثم دفع الدول للمشاركة فيها. وقد يكون هذا الشأن عبارة عن ترشيح وبلونة اختبار للقوة العربية والإسلامية في هذا الملف، وقد يكون أيضًا نوعًا من أنواع دعم القرارات وتنفيذها بشكل إيجابي على أرض الواقع. إضافة إلى ذلك أيضًا، هو محاولة ضمان لتنفيذ هذه القرارات بمشاركة الدول التي سوف تقوم بالتبرع لإعادة إعمار غزة، خاصة أن هناك تصريحات خرجت من بعض الدول العربية التي قالت إنها مع إعادة إعمار غزة، ولكن لن نمضي على شيكات على بياض لهذا الإعمار، لأننا لا نعلم إلى هذه اللحظة من سيقود الإعمار، وكيف تصل هذه المساعدات، هل عن طريق السلطة الفلسطينية باعتبارها الجهة المعترف بها دوليًا، أم أنه سوف يكون هناك قفز من بعض الفصائل، المقصود بها حماس، وعدم تنفيذها لنزع السلاح، وعدم خروجها الآمن من مناطق الصراع. كل هذه الأمور تؤرق الدول العربية التي تحاول المضي ضمن خطة الإعمار.
شروط الانتقال إلى المرحلة الثانية
من جهته، يرى د. أيمن الرقيب، المحلل السياسي بالشأن الفلسطيني، أن الانتقال إلى المرحلة الثانية يحتاج إلى عدة مقومات، بعيدًا عن فكرة السلاح. أول المقومات هو تشكيل قوة الاستقرار الدولي حسب القرار أو خطة ترامب أو قرار مجلس الأمن 2803، ومن المفترض وصولها في أول يناير القادم لتتولى المهام الأمنية بدلًا من الاحتلال الإسرائيلي للسيطرة على ما تبقى من قطاع غزة.
وأشار، إلى أن وجود لجنة تكنوقراط لتولي إدارة غزة، والتي إلى الآن لم تُشكَّل، ووجود أجهزة أمنية وشرطية بالحد الأدنى عشرة آلاف عنصر، وحتى الآن لم يتم تجهيز لجنة الشرطة، وبالتالي فإن الانتقال إلى المرحلة الثانية يحتاج إلى مقومات خطيرة.
وحذر الرقيب من سيناريوهات تناقش في الكواليس الإسرائيلية–الأمريكية للانتقال إلى إعمار مناطق تحت السيطرة الإسرائيلية فقط، خاصة رفح وشرق خان يونس، مع استمرار الاحتلال في باقي القطاع، مؤكدًا أن ملف السلاح لا يزال غامضًا من حيث الجهة التي ستتسلمه والآلية المتفق عليها.
وأشار إلى مقترح مصري قطري تركي يقضي بنزع السلاح الثقيل تدريجيًا خلال عامين، وهو ما ترفضه إسرائيل، التي تسعى – بحسب الرقيب – إلى “لبننة غزة” على غرار النموذج اللبناني.
خطة ترامب وتحجيم الدور العربي
واختتم الرقيب قائلًا: إن ترامب عدل من خطته من خلال طرح شكل جديد لإدارة قطاع غزة بقيادة رؤساء وزعماء الدول، كما يقول، وملوك، كمجلس أمن، يلي هذا المجلس مجلس لتنفيذ آخر قد يكون يرأسه توني بلير، وقد يرأسه نيكولاي ملادينوف أو غيرهما، حتى الآن لم يُقرر شيء، وتكون مهامه متابعة الإشراف.
ولجنة أخرى من التكنوقراط الفلسطيني ستتولى المهام التنفيذية داخل غزة، وبالتالي خطة ترامب الآن تتحول إلى ثلاثة أقسام وليس اثنين، كانتزاع – للأسف – للدور الإقليمي العربي، على رأسه مصر، وانتزاع لدور الفلسطيني بشكل أو بآخر، ويكون كل هذا في يد القوة والمجالس التي سوف يشكلها ترامب، ويصبح هو المسؤول عن كل شيء.