على أرض واحدة، تنمو تجربتان مختلفتان تمامًا للحياة، بالجانب الأول من الصورة، أطفال يرتدون الزي الرسمي لمدارس دولية، يدخلون فصولًا مكيفة، يحملون حواسيب لوحية، ويتحدثون لغات أجنبية بطلاقة، وفي الجانب الآخر، أطفال يسيرون أميالًا إلى مدارس مزدحمة، يدرسون في فصول ضيقة، يتقاسمون المقاعد والكتب، وينتظرون الفسحة لتكون لحظة تنفس حقيقية في يوم طويل، وكأن البلد نفسه انقسم إلى عالمين: “إيچبت” التي تعيش الرفاهية، و”مصر” التي تكافح لتبقى.
التعليم.. بداية الفجوة
المدرسة كانت يومًا ما رمزًا للمساواة، لكنّها اليوم أصبحت المقياس الأوضح للانقسام.
في “إيچبت”، التعليم يعني تجربة متكاملة: مناهج أجنبية، أنشطة، رحلات، واهتمام بتكوين الشخصية قبل الدرجات، مصروفات تبدأ في بعض المدارس الدولية من نحو 150 ألف جنيه سنويًا، وقد تتجاوز 300 ألف جنيه في مدارس أخرى، بخلاف تكاليف المواصلات والزي والأنشطة.
هنا التعليم ليس مجرد وسيلة للمعرفة، بل بطاقة عبور إلى مجتمع مختلف، وفرص عمل أفضل، ومستقبل يفتح أبوابه بسهولة أمام من ينتمي إلى هذا العالم.
الفجوة التعليمية وتأثيرها على المجتمع
تقول الدكتورة هالة يسري، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس وخبيرة في التعليم والعدالة الاجتماعية، إن الفجوة بين المدارس الخاصة والحكومية قد تُحدث نوعًا من الفرقة داخل المجتمع، مشددة على ضرورة وجود مناهج موحدة تُدرّس في جميع المدارس المصرية، بغض النظر عن نوعها، لأن القاعدة المشتركة تُساعد في بناء شخصية الطفل المصري وتقوية الانتماء، فلا يصح أن تنشأ أجيال مختلفة لا تشارك نفس القيم الأساسية للوطن.
وتضيف لـ “القصة” أنه لا مانع من وجود مدارس دولية أو مدارس ناشونال، لكن يجب أن يكون لكل فئة دورها ومسؤولياتها وحقوقها، بما يضمن تكاملًا اجتماعيًا وفكريًا لأنها ترى أن الطبقات المختلفة يجب أن تعمل معًا، ولا يجوز أن تستفيد طبقة على حساب الأخرى، فالمجتمع يظل قويًا حين يكون الجميع مشاركًا في التمتع بحقوقه وممارسة دوره.
“يسري” حذرت أيضا من التصنيفات التي قد تفرق بين الناس، مشيرةً إلى أن الانقسام بين ما يُسمى بـ”إيچبت” و”مصر” مجرد تقليعة غير مقبولة، لأن العدو يبدأ اختراقه للمجتمع عبر التصنيفات الاقتصادية أو الاجتماعية أو بين الرجل والمرأة، لذلك من المهم تعزيز الهوية الوطنية في المناهج والأنشطة المدرسية لتكون قاعدة واحدة تجمع كل أبناء الوطن.
في الجهة الأخرى من الخريطة
أما في “مصر”، فالتعليم يواجه أعباء الحياة اليومية، فالمدارس الحكومية تعاني من ازدحام الفصول وضعف الإمكانيات، والمدرسون يعملون بأجور محدودة، بينما يعتمد معظم الطلاب على الدروس الخصوصية التي تستنزف ميزانيات الأسر.
في بعض القرى تتحمل العائلات أقساط الدروس كما لو كانت أقساط قروض، فقط لتضمن أن أبناءها لن يتسربوا من التعليم، هنا التعليم لم يعد طريقًا للترقي الاجتماعي، بل محاولة للحفاظ على مكان في السباق.
التعليم الحكومي يجب أن يعود ليكون مصعدًا اجتماعيًا حقيقيًا
يؤكد أحمد خيري، الخبير التربوي بإحدى المدارس الحكومية، أن المدارس الحكومية تواجه تحديات كبيرة في ظل الاكتظاظ ونقص الموارد، قائلا: الفصول مليئة بالطلاب، والكتب محدودة، والمعلم مضطر أن يوازن بين تعليم الدروس وإدارة الانضباط، بينما الأهالي يبحثون عن الدروس الخصوصية لتغطية ما لا تقدمه المدرسة.
ويكمل حديثه لـ”القصة”: هذا الواقع يجعل التعليم في كثير من الأحيان معركة للبقاء وليس فرصة للارتقاء.
الحكومية لها تأثير مباشر على المجتمع بحسب “خيري” الذي يوضح قائلاً: الطلاب في المدارس الحكومية يواجهون فجوة كبيرة من حيث التجهيزات والأنشطة والفرص، وهذا يخلق شعورًا بالحرمان ويجعل الفرق بين طبقات المجتمع يبدأ من الفصل الدراسي نفسه.
ويضيف: إذا استمر الحال هكذا، سنشهد أجيالا تشعر أنها لم تولد على أرض واحدة، وأن التعليم حق للبعض ورفاهية للبعض الآخر.
كما أنه عاد ليحذر من استمرار الوضع دون إصلاح حقيقي، مشدداً على أن التعليم الحكومي يجب أن يعود ليكون مصعدًا اجتماعيًا حقيقيًا، وليس مجرد مكان لإكمال السنة الدراسية، والمناهج بحاجة لمراجعة شاملة، وتأهيل المعلمين بشكل دوري، والاهتمام بالأنشطة التي تنمي شخصية الطلاب، وإلا فإن الانقسام بين طلاب “إيچبت” و،”مصر” سيزداد عمقًا عاماً بعد عام.
حين يصنع التعليم الحدود
المفارقة أن التعليم الذي يفترض أن يوحّد المجتمع، أصبح هو نفسه الحدّ الفاصل بين طبقاته، طالب “إيچبت” يتحدث عن المنح والسفر والدراسة في الخارج، بينما طالب “مصر” يبحث عن فرصة عمل بعد التخرج ولو براتب متواضع.
المدارس لم تعد مؤسسات تعليمية فحسب، بل بوابات لمستقبلين متناقضين، يصعب أن يلتقيا لاحقًا، إنها حدود غير مرئية، لكنها أشدّ قسوة من الجدران.
بلد واحد.. بطريقتين في الحلم
“إيچبت” تصنع جيلاً يعيش في عالم متصل بالعالم الخارجي و”مصر” تصنع جيلاً يقاوم ليجد لنفسه مكانًا في وطنٍ ضاق بتكاليف الحياة، وبينهما مسافة تتسع عامًا بعد عام، تتجذر في العقول قبل الجيوب، ربما يكون التعليم هو الخيط الذي كشف عمق الانقسام، لكنه أيضًا الباب الذي يمكن أن يعيد البلد إلى وحدته، إذا تحوّل من تمييز طبقي إلى حقّ متكافئ.
يبقى السؤال معلّقًا في الهواء:
هل يمكن أن يلتقي طلاب “إيچبت” و”مصر” يومًا في فصلٍ واحدو يعلمهم نفس المعلم ويمنحهم نفس الفرصة فيتعلم الجميع أخيرًا أن الوطن لا يُبنى بلغتين.