أبان اكتشاف أثري حديث في جنوب غربي شبه جزيرة سيناء، عن نقش صخري نادر يعود تاريخه إلى نحو 5 آلاف عام، يُقدم دليلاً بصريًا استثنائيًا على بسط المصريين القدماء نفوذهم على سيناء وإخضاعهم سكانها المحليين منذ عصور مبكرة جدًا.
صور واضحة للهيمنة
ووفقًا لتقرير صادر عن “الشرق الأوسط”، النقش الذي عثر عليه في وادي خميلة، يصور مشهدًا واضحًا للهيمنة، إذ يظهر رجل ضخم في وضع القوة رافعًا ذراعيه، بينما يقف أمامه شخص آخر راكعًا وقد اخترق سهم صدره، في مشهد يعبّر عن السيطرة والانتصار.
وبحسب بيان نشر الثلاثاء على الموقع الرسمي لجامعة بون الألمانية، فإن الاكتشاف يعود إلى مصطفى نور الدين، من مفتشية آثار أسوان التابعة لوزارة السياحة والآثار المصرية، خلال إحدى رحلاته الاستكشافية بالمنطقة.
هيمنة مصرية على سيناء
وفسر عالم المصريات بجامعة بون، البروفيسور لودفيج مورينز، المشهد المنقوش باعتباره إعلانًا صريحًا عن الهيمنة المصرية على سيناء قبل خمسة آلاف عام، مشيرًا إلى أن هذا النقش يعد من أقدم مشاهد القتال المعروفة في التاريخ، ويجسد إخضاع السكان المحليين من قبل المستعمرين المصريين.
وأعرب مورينز عن سعادته الكبيرة بالاكتشاف، لافتًا إلى أن منطقة وادي خميلة تُعد فقيرة نسبيًا بالنقوش الصخرية مقارنة بمناطق أخرى مثل أسوان، ما يزيد من أهمية هذا الاكتشاف علميًا وتاريخيًا.
وجود مصري منذ أقدم العصور
من جانبه، قال الدكتور حسين عبد البصير، عالم الآثار ومدير متحف آثار مكتبة الإسكندرية، إن هذا الاكتشاف يمثل نقطة محورية لفهم طبيعة الوجود والاستقرار المصري في سيناء منذ أقدم العصور، موضحًا أن المشهد المنقوش يعكس قدرة المصريين على فرض سيطرتهم في مختلف البيئات، سواء داخل وادي النيل أو في المناطق الصحراوية وشبه جزيرة سيناء.
وأضاف عبد البصير أن اختيار مواقع بارزة في الطبيعة لنقش هذه المشاهد لم يكن عشوائيًا، بل يكشف عن وعي مبكر بأهمية الإعلان عن الوجود السياسي والاستقرار، خاصة في المناطق المرتبطة بالموارد الحيوية وطرق التجارة.
ووفقًا لبيان جامعة بون، فإن سكان سيناء في تلك الفترة لم يكونوا يمتلكون نظامًا للكتابة أو الحكم، وكانوا أدنى تنظيمًا اجتماعيًا وثقافيًا مقارنة بالمصريين القدماء، الذين توغلوا في المنطقة بدوافع اقتصادية، بحثًا عن موارد طبيعية مهمة مثل النحاس وحجر الفيروز.
حضارة متقدمة
وأشار عبد البصير إلى أن النقش يوضح الفارق الكبير بين التنظيم المصري المتقدم وسكان المناطق المجاورة، حيث اعتمد المصريون على نظام اجتماعي وسياسي مكّنهم من إدارة الموارد وربط المناطق البعيدة بشبكة طرق ومعابر تخدم مصالحهم الاقتصادية.
وأوضح مورينز أن وادي خميلة لم يكن معروفًا في الدراسات السابقة إلا في سياق النقوش النبطية التي تعود إلى نحو ثلاثة آلاف عام، مؤكدًا أن الأدلة الجديدة تثبت وجودًا مصريًا أقدم بكثير لم يكن موثقًا من قبل.
كما شدد عبد البصير على أن الاكتشاف يعزز فكرة أن سيناء كانت جزءًا لا يتجزأ من المجال الحضاري المصري منذ فجر التاريخ، وأن السيطرة المصرية على هذه الأراضي تعود إلى أزمنة سحيقة.
رموز دينية
وتكشف النقوش المكتشفة في وادي خميلة ووادي عميرا عن إشارات مباشرة إلى الإله “مين”، إله الحصاد والخصوبة، وأحد أقدم الآلهة في العقيدة المصرية القديمة، والذي ارتبطت به البعثات المصرية في تلك المناطق خلال الألفية الرابعة وبدايات الألفية الثالثة قبل الميلاد.
وأوضح مورينز أن الإشارة إلى الإله “مين” لم تكن مجرد عنصر ديني، بل شكلت تبريرًا رمزيًا ودينيًا للهيمنة والاستعمار، حيث كانت السلطة الدينية جزءًا أساسيًا من تثبيت النفوذ المصري في المناطق البعيدة.
وأضاف عبد البصير أن البعد الديني لعب دورًا محوريًا في ترسيخ الاستقرار، إذ استخدم المصريون الرمزية الدينية إلى جانب القوة والتنظيم الاجتماعي لتأكيد سيطرتهم وضمان حضور طويل الأمد في سيناء والمناطق الصحراوية.
ويعتبر مورينز هذا الاكتشاف بداية لمرحلة جديدة من البحث، معلنًا عزمه مواصلة أعمال الاستكشاف في المنطقة، بالتعاون مع الجهات الأثرية المصرية، للعثور على مزيد من النقوش التي قد تكشف تفاصيل إضافية عن واحدة من أقدم مراحل التوسع المصري خارج وادي النيل.