مؤكد أن افتتاح المتحف المصري الكبير حدث عالمي يتجاوز حدود عرض الآثار ليشكل لحظة إعادة تعريف لدور مصر الثقافي على الساحة الدولية، فالمتحف، بما يضمه من كنوز حضارية نادرة، يمثل منصة لإحياء الذاكرة التاريخية وإبراز الإرث المصري بوصفه أصلًا من أصول الحضارة الإنسانية.
وعلى المستوى الاقتصادي، يفتح الافتتاح آفاقًا واسعة لتعزيز السياحة، وجذب الاستثمارات، وتنشيط القطاعات المرتبطة بالصناعات الثقافية والضيافة. أما ثقافيًا، فهو دعوة لإعادة قراءة الماضي بعيون الحاضر وترسيخ وعي مجتمعي يربط المواطن بجذوره.
ويضع العالم أمام فرصة لفهم تاريخ الإنسان من منبعه الأصلي على ضفاف النيل العريق والمتجدد دائمًا.
استعادة الذاكرة
تعرّضت الآثار المصرية عبر عقود للنهب والتهريب، فغادرت قطع كثيرة موطنها لتستقر في متاحف ومجموعات خاصة حول العالم. هذه الآثار ليست مجرد مقتنيات، بل شواهد حيّة على هوية مصر وتاريخها. استعادتها تعني استعادة الذاكرة والكرامة، وإعادة سرد الحكاية من مكانها الأصلي وعلى لسان أصحابها.
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث في علم المصريات، بسّام الشمّاع، أن استرداد الآثار المنهوبة يحمل أبعادًا معنوية عميقة، تفوق قيمتها المادية. إذ إن عودة كل قطعة أثرية هي تذكير جديد بأن الحضارة المصرية ليست كتابًا قديمًا يُفتح عند الحاجة، بل مصدر معرفة حيّ كان أول من علّم البشرية أسس الاكتشاف والعلم وصناعة التاريخ..
ويضيف الشمّاع في حديثه لموقع القصّة: أن كل حدث حضاري من هذا النوع هو فصل جديد في رحلة مصر لاستعادة تاريخها المنهوب. فالمتحف المصري الكبير لا يضع مصر في دائرة الاهتمام المحلي فقط، بل يجعلها على واجهة المشهد الدولي، في عناوين الصحف، وفي اهتمام المراكز الثقافية والمتاحف العالمية. وبذلك، يتحول الافتتاح إلى نافذة تواصل كبرى بين مصر والعالم.
ويشير الشمّاع إلى الدور المحوري لقسم الآثار المستردة بوزارة الآثار، لجهوده التي امتدت لأكثر من عشر سنوات، واستطاع خلالها استرداد ما يقرب من 30 ألف قطعة أثرية. إن هذا العمل ليس إنجازًا إداريًا فحسب، بل تعبير عن وعي ثقافي وقانوني، وعن إرادة حماية الذاكرة الوطنية. بل إن مصر أصبحت مرجعًا دوليًا في مسألة استرداد الآثار، حيث تستعين بعض الدول بخبرة هذا القسم لاستعادة آثارها الخاصة.
لكن هذا النجاح، كما يشدد الشمّاع، يحتاج إلى خطوات مكمّلة. فافتتاح المتحف فرصة ينبغي استثمارها سياحيًا وثقافيًا وإعلاميًا عبر: إعادة ترتيب وتحديث القوانين المنظمة للقطاع السياحي، وابتكار أفكار تسويقية معاصرة تُبرز المنتج الثقافي المصري، وإشراك الجمهور في حفظ التراث بوصفه مسؤولية مشتركة وليس شأنًا رسميًا صرفًا.
الثمار الاقتصادية
يسهم المتحف المصري الكبير في تنشيط الاقتصاد المصري عبر جذب أعداد كبيرة من السائحين الباحثين عن تجربة ثقافية فريدة، مما يزيد من عوائد السياحة كأحد أهم مصادر الدخل القومي.
كما يدعم قطاعات مكمّلة مثل الضيافة، والفندقة، والنقل، والحرف المحلية، ويوفّر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للشباب. ومع توسّع الفعاليات والمعارض الدولية داخله، يتحول المتحف إلى مركز ثقافي واقتصادي قادر على جذب الاستثمارات وتنشيط حركة الإنفاق داخل المنطقة المحيطة به، بما يعزّز الدور الاقتصادي للتراث كرافعة للتنمية المستدامة.
يشدد الخبير الاقتصادي علي الإدريسي، أنّ الاهتمام بالآثار المصرية والمعالم الأثرية، هي أكبر عامل جذب للسياحة في مصر، والمتحف بدوره سيضاعف هذا العائد السياحي على المدى المتوسط، وربما القصير، فمصر تملك برامج سياحية فريدة تميزها عن غيرها من البلدان، وذلك بفضل موقعها الجغرافي وطبيعتها المناخية التي تجعل الموسم السياحي ممتد عبر ايام السنة.
ويؤكد الإدريسي في حديثه مع موقع القصة: “أنّ ما نحتاجه هو تكرار تجربة المتحف مع أنماط سياحية أخرى مهمة في مصر، وما أتمنّاه هو إنشاء بورصة مصرية خاصة بالسياحة، على غرار لندن وبرلين ودبي، فمصر هي الأجدر بتلك البورصة، حيث ستعزز من مكانة السياحة بشكل غير مسبوق”.
أشاد الإدريسي بدور وزارة الخارجية والدبلوماسية المصرية إلى جانب وزارة الآثار في عملية استعادة الآثار المنهوبة، والتي كانت تعرض لسنوات في غير موطنها، مؤكدًا على أنّ الطريق طويل، ويجب أن يستمر نضالنا من أجل إستعادة كل آثارنا إلى موطنها الأصلي.
أفق أوسع للاستثمار
كما يسهم المتحف المصري الكبير في خلق بيئة جاذبة للاستثمار من خلال تحويل محيطه إلى منطقة حيوية ذات قيمة اقتصادية مرتفعة. فوجود صرح ثقافي عالمي بهذا الحجم يشجع الشركات على إنشاء فنادق ومراكز تجارية ومشروعات خدمية وسياحية على امتداد المنطقة. كما يعزز ثقة المستثمرين في استقرار السوق الثقافي والسياحي في مصر، ويمهّد لإقامة شراكات دولية في مجالات المعارض والترميم والبحث، مما يفتح أبوابًا جديدة للاستثمار طويل المدى قائم على الثقافة والمعرفة وقوة الهوية الحضارية.
في هذا السياق، يوضح رئيس شعبة السياحة والسفر، عماري عبد العظيم، أهمية التحرك السريع تجاه الاستثمارات المرتبطة بالسياحة، من أجل تعظيم القيمة المضافة للمتحف، فمثلا لماذا لا نفكر بإنشاء معهد دولي لدراسة علم المصريات من أرض مصر، أو تعظيم الاستثمار وتطوير الصناعات اليدوية، وكل ما شابهها من استثمارات سيحقق عائد اكبر ومستدام أكثر من هذا الحدث الكبير.
يضيف عبد العظيم في حديثه لـ القصة: أن التحرك يجب أن يكون متعدد المستويات، فالترويج والتسويق يجب أن يستمر، واستغلال الضجة التي احدثها الافتتاح في الترويج لبرامج سياحية أشمل، وتعريف السياح بتعدد أنماط السياحة في مصر، كما أنّ فتح أسواق جديدة مثل السوق الآسيوية واللاتينية هي سوق كبيرة ومهتمة بالحضارة المصرية، فقط يحتاج لبرامج سياحية وأفكار تسويقية جذابة، ستضاعف من عوائد السياحة وتعظمها.