في ظل ما يحدث في السودان، تسيطر حالة من الخوف والقلق الإقليمي من أن تتحول السودان إلى “ليبيا جديدة”، حيث تتحول إلى دولة دون سلطة وسيادة، وتزداد فيها الميليشيات، وتتفتت وتُقسَّم، بالإضافة إلى تحول الحدود إلى ساحة للإرهاب والمخدرات والاتجار بالبشر في ظل تصاعد الأوضاع.
كشفت مصادر دبلوماسية وخبراء في الشأن الاستراتيجي والأمني لـ”القصة” عما يعشيه السودان الآن من حالة انهيار وتفكك، مؤكدين أن النظام القائم حاليًا والمعترف به إقليميًا ودوليًا مسيطر على الأوضاع بدعم مصر له من خلال أجهزة المعلومات والقوات المسلحة والدعم الدبلوماسي، بالإضافة إلى دعم الأطراف الرباعية.
هناك تسوية لا تفكك
كشف السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، أنه لا يوجد تفكك داخل المؤسسة السودانية، بل هناك محاولات للتوصل إلى تسوية للأزمة السودانية، مع وجود مبادرات عديدة واهتمام من المجتمع الدولي، ومن الشعب السوداني، ومن جانب النظام القائم حاليًا، وهو نظام معترف به إقليميًا ودوليًا.
مواجهة الميليشيات المتمردة
وأشار حليمة لـ”القصة”، إلى أن النظام السوداني الحالي المعترف به دوليًا يعمل على مواجهة الميليشيات المتمردة والمدانة إقليميًا ودوليًا بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وقتل وإبادة جماعية، فضلًا عن النزوح واللجوء، وهي إدانات أصبحت موثقة.
محاولات التوصل إلى هدنة
وأوضح حليمة أن هناك محاولات حاليًا من الأطراف الرباعية للتوصل إلى هدنة لوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية، وربط ذلك بحوار سياسي شامل يضم كافة مكونات المجتمع السوداني، وصولًا إلى نظام يسبق انتخابات نزيهة وشفافة، وإقامة نظام ديمقراطي مدني كما يرتضيه الشعب السوداني.
مصر والسودان خط أحمر
وقال حليمة، إن مصر تحدثت عن السودان باعتباره خطًا أحمر، يتعلق بالحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، ووحدة السودان وسلامته الإقليمية، والحفاظ على مقدرات الشعب السوداني، ورفض أي حكومات أو كيانات موازية. وكل هذه الأمور تؤكد أن الدولة السودانية ما زالت قائمة ولها دور في المجتمع الدولي.
الأطراف الرباعية
وتابع حليمة أنه ربما لا تزال هناك قضايا ومشكلات لم تُحل بعد، لكن المبادرات المطروحة حاليًا تسعى إلى التسوية، وأبرزها مبادرة الرباعية الدولية، والتي تتضمن المبادرة المصرية، وتشمل أربعة محاور: الأمن العسكري والإنساني، والحوار السياسي، وهيئة البناء والإعمار، بالإضافة إلى التعافي المبكر.
إدانة الدعم السريع
وأضاف حليمة أنه لا شك أن العمليات العسكرية التي يقوم بها الدعم السريع مدانة إقليميًا ودوليًا، ويكاد يُتهم بأنه منظمة إرهابية، مع وجود اتهامات موثقة بارتكابه جرائم عديدة.
العودة الطبيعية والتعافي المبكر
وتابع أنه في الوقت نفسه نلاحظ عودة طبيعية بدأت منذ فترة، مع تشجيع من مؤسسات الدولة السودانية، بالإضافة إلى التعاون مع مصر وبعض دول الجوار التي تستضيف لاجئين لتيسير عملية العودة الطبيعية، وربط ذلك بعملية تعافٍ مبكر في الأماكن الآمنة والمستقرة، ومعظمها تحت سيطرة القوات المسلحة أو النظام القائم حاليًا.
عمليات النزوح الجديدة
وأشار إلى وجود عمليات نزوح جديدة تتركز في جنوب وشمال كردفان والنيل الأزرق، إلا أن الجهود المبذولة حاليًا للتوصل إلى وقف إطلاق النار قد تمثل فرصة لاحتواء هذه العمليات ومعالجتها.
إسرائيل وإثيوبيا والدعم
وأضاف أن هناك جهات تدعم الدعم السريع ومجموعة “تأسيس”، وتُبذل جهود حاليًا لتحجيم دور هذه المجموعة، وهي معروفة بتكوّنها من أطراف تشمل إسرائيل وإثيوبيا والإمارات العربية المتحدة، والتي يرى أنها تسعى إلى تفكيك وتقسيم السودان والإضرار بالشعب السوداني ودولته والاعتداء على سيادته.
مجموعات اليمن والصومال
وتابع أن هذا الدور لا يقتصر على السودان فقط، بل يمتد إلى اليمن والصومال، مشيرًا إلى وجود جهود من أطراف أخرى، خاصة مصر والسعودية وتركيا، وربما دول أخرى، لمحاولة تحجيم هذا الدور واحتواء الأضرار، بما يدفع نحو التوصل إلى تسوية.
الأمن القومي المصري خط أحمر
واختتم حليمة حديثه قائلًا إن مصر تدرك تمامًا أهمية الحفاظ على أمنها القومي، وقد اتخذت خطوات وأعلنت خطوطًا حمراء تجاه أي تهديد، مؤكداً أنه لا يمكن أن يكون هناك تهديد، لأن مصر تحركت في أكثر من اتجاه لاحتواء أي محاولات قد تمس الأمن القومي المصري في المثلث الحدودي.
جهود مصرية لوقف التهريب والاتجار بالبشر
وأكد حليمة أن مصر تبذل جهودًا موسعة وحثيثة لوقف عمليات تهريب السلاح والاتجار بالبشر، ونجحت في ذلك إلى حد كبير، مع وجود تعاون مصري أوروبي، أثبت قدرة مصر على الحد من الهجرة غير الشرعية.
في سياق متصل، قال اللواء عمر الزيات، الخبير الاستراتيجي والأمني، إن موضوع السودان له تبعات في الخلفية، ففي الوقت الذي يتابع فيه العالم المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، تحاول إسرائيل تنفيذ أجندتها، ومحاولة إلهاء الدولة المصرية في القرن الأفريقي، خاصة في السودان وإثيوبيا.
تصعيد من أجل الإلهاء المصري
وأشار الزيات إلى وجود لغة تصعيد لدى بعض الأطراف السودانية، وحتى في الخطاب السياسي لكل من محمد حمدان دقلو وآبي أحمد، تميل إلى الحدة تجاه الدولة المصرية، في محاولة لإلهائها عما يحدث في فلسطين، وكذلك التوترات بين إيران والولايات المتحدة.
تدفقات السودان وتأثر الحدود
وأكد الزيات أن انهيار الدولة السودانية يؤثر على تدفق النازحين واللاجئين عبر الحدود، وأن زيادة أعداد اللاجئين في مصر تفرض أعباء إضافية على مرافق الدولة واقتصادها.
استهلاك 10 مليارات متر مكعب
وأضاف أن زيادة أعداد المهاجرين تؤدي إلى زيادة استهلاك المياه، حيث يقدر الاستهلاك بما يقارب 10 مليارات متر مكعب، في وقت تعاني فيه مصر من نقص المياه، ما يمثل تهديدات أمنية واقتصادية، إضافة إلى اختلاف العادات والثقافات، ودخول بعض العناصر المأجورة التي قد تثير اضطرابات أمنية.
فراغ ينشئ الجماعات
وأوضح أن الفراغ داخل أي سلطة قد ينشئ جماعات إرهابية، كما حدث عقب احتلال العراق وانسحاب القوات الأمريكية، حيث ظهرت تنظيمات مثل داعش، محذرًا من احتمال تحول السودان إلى ملاذ للجماعات المتطرفة.
الدعم المصري الدبلوماسي
وأشار إلى أن مصر تتحرك دبلوماسيًا لمنع انهيار السودان، وأعلنت رسميًا أن أي محاولة لانقسامه تمثل خطًا أحمر وتهديدًا للأمن القومي المصري، مؤكدًا أن مصر مسؤولة عن حماية حدودها ولن تسمح بأي تجاوزات.
الدول الداعمة للاستقرار والأخرى الهدامة
وأضاف أن معظم الدول تعمل على استقرار السودان، بينما تتهم بعض الأطراف الإمارات العربية المتحدة بدعم أطراف داخل النزاع، مشيرًا إلى أن السودان أعلن قطع العلاقات معها.
هل يمكن للمؤسسة العسكرية السودانية السيطرة؟
واختتم الزيات بأن المؤسسة العسكرية السودانية قادرة على استعادة السيطرة بمساعدة أجهزة المعلومات المصرية والجيش المصري، مشيرًا إلى أنه في حال توقف الدعم اللوجستي والمالي للميليشيات، سيكون من الطبيعي أن تستعيد المؤسسة العسكرية السيطرة سريعًا.
وأكد، أن دعم الميليشيات من قبل بعض الدول يركز على تطوير قدراتها وتسليحها بشكل متقدم، بما يمكنها من فرض السيطرة داخل السودان.