بين التراجع والتقدم، يقف المشهد الإقليمي على صفيح ساخن، مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت بات فيه السؤال الأهم: هل تقع الضربة العسكرية أم تُفتح نافذة أخيرة للتفاوض؟
تصعيد عسكري، إخلاء سفارات، تحركات للقواعد الأمريكية، ووساطات إقليمية ودولية في الخفاء، جميعها مؤشرات تعكس أن المنطقة تقف على حافة لحظة فارقة قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بالكامل.
وفي الوقت الذي تدرك فيه واشنطن أن أي ضربة لإيران لن تمر دون رد، خاصة مع انتشار قواعدها العسكرية في المنطقة، يحذر خبراء من أن الشرق الأوسط قد يتحول إلى “سماء فارغة” تتيح لإسرائيل وأمريكا التحرك بحرية غير مسبوقة، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة.
في هذا السياق، يستعرض “القصة” رؤية خبراء عسكريين ودبلوماسيين حول احتمالات الضربة، وحدودها، ودور الوساطات، وفرص الحل السياسي قبل أن تنفلت الأمور من السيطرة.
هل الضربة الأمريكية لإيران محدودة أم شاملة؟
منذ بدء الحديث عن مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، تتأرجح واشنطن بين خيار الضربة العسكرية وخيار التراجع المرحلي، في ظل حسابات معقدة تتعلق بردود الفعل الإيرانية، وتأثير أي تصعيد على القواعد الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، قال اللواء شيبل الخبير الاستراتيجي والعسكري لـ”القصة” إنه منذ بدء الحرب في إيران وأمريكا، بين التراجع والتقدم، هل ستضرب الآن أم لا، ولكن تعلم أنه إذا تم الضرب في أي إيران سوف تتأذى القواعد الأمريكية الموجودة لها في منطقة الشرق الأوسط، ولكن في الأول والأخير إذا تم ضرب إيران سوف يصبح الشرق الأوسط سماء فارغة لكل من أمريكا وإسرائيل، وفي هذا الوقت سوف تتجول كل من هذه الدول في المنطقة، وتصبح أمريكا وإسرائيل أوشكتا على احتلال كافة المنطقة.
أمريكا والملف النووي الإيراني
وحول جوهر الأزمة، أكد اللواء شيبل أن الملف النووي لا يزال خطًا أحمر بالنسبة لواشنطن، موضحًا أن لن تسمح أمريكا لإيران بإنتاج النووي حتى لو إيران خصبت جزءًا كبيرًا من البرنامج النووي الخاص بها، لكن أمريكا لم تسمح بهذا على الإطلاق.
وأضاف أن الضربة في البداية سوف تكون محدودة، وأنه تراجع إلى حد ما، ولكن في الأول والآخر سوف يتم الضرب في إيران، ولكن أين المكان والزمان لم يتحدد بعد.
تحذير من “السماء الفارغة” في الشرق الأوسط
وأبدى الخبير العسكري موقفًا رافضًا لأي ضربة عسكرية، محذرًا من تداعياتها الإقليمية، قائلًا: “إنه ضد ضرب إيران نهائيًا، لأن كل من العراق ولبنان وسوريا وغيرهم من دول الشرق الأوسط في سماء فارغة تمامًا”، وأضاف أن السماء الفارغة تمامًا تسمح لإسرائيل بالتجوال في المنطقة كما تشاء.
هل أمريكا جاهزة لحرب شاملة؟
وحول استعداد واشنطن لخوض مواجهة واسعة، أكد اللواء شيبل أن بالفعل أمريكا جاهزة لحرب شاملة، وأضاف أن أمريكا هي الآن مسيطرة على العالم بأكمله، وكل العالم حاليًا يتجه وراءها.
وأضاف أن لدى أمريكا قوات جاهزة على أكمل وجه، ولديها مكونات ومقومات عالية جدًا وأسلحة متطورة جدًا، وأشار إلى طبيعة الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، قائلًا: “إن جميع القواعد الموجودة في الشرق الأوسط تُستخدم ضد المنطقة، أن هذه القواعد قواعد كبيرة وقواعد مجهزة على أكمل وجه، وأن من الممكن أن لديهم في كل دولة قاعدة أو اثنتين”.
مؤكدًا في ختام حديثه على أن أمريكا في الوقت الحالي هي القوة الأكبر في العالم.
الدبلوماسية والوساطة.. هل ما زال الأمل قائمًا؟
من جانبه، قال السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، لـ”القصة” إن قنوات الاتصال لم تُغلق بعد، موضحًا: “تُعتبر قنوات الوساطة مفتوحة مع إيران، كما أن هذا أدى إلى أن الرئيس الأمريكي ترامب يصرح بقوله إن المظاهرات انتهت، وأنه لا يوجد عمليات أيام مرة ثانية، وأنه يراقب الموقف وتوجيه ضربة، وهذا ما أدى إلى تراجع لدرجة كبيرة، لأن يتدخل وسطاء دول الخليج ومصر وعُمان ودول عديدة ودول أوروبية، على أساس أن هذه سوف تشعل المنطقة لو حدث وتم الضرب في إيران”.
وأشار إلى خطورة التهديدات الإيرانية، قائلًا: “لأن أي أن هددت سوف تضرب جميع القواعد العسكرية الموجودة في المنطقة، وهذه القواعد العسكرية موجودة في الكويت والبحرين وقطر والإمارات وعُمان والسعودية والعراق، ومع ذلك أن منطقة الخليج سوف تشتعل حربًا، بالتالي هناك تراجع كبير”.
دور قطر وعُمان وسويسرا
وحول دور الوسطاء، أوضح السفير رخا أن قطر بها أكبر قاعدة طيران أمريكية في المنطقة، وهي قاعدة العديد، وبالتالي سوف يكون بها ضرب بشكل كبير، وأن مع صغر مساحة قطر سوف تؤثر على البلد.
وأضاف أن عُمان لها علاقات وثيقة مع الطرفين، مع إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وهي دائمًا تسعى بالوساطة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، مشيرًا إلى الدور السويسري، قائلًا: “إن سويسرا أيضًا التي تتمثل في السفارة السويسرية في طهران ترعى المصالح الأمريكية، ويوجد بها مكتب أمريكي تحت مظلة السفارة السويسرية، فهذا يعمل على اتصالات مباشرة في طهران مع وزارة الخارجية الإيرانية”.
ما هي الحلول الممكنة؟
واختتم السفير رخا تصريحاته بالحديث عن الحلول المطروحة، بأن الحلول الممكنة هي التهدئة بين الطرفين والعودة مرة أخرى إلى المفاوضات بالنسبة للملف النووي، مضيفًا إلى أن إيران تريد أن الصواريخ التي تصنعها هي دفاعية، وأنه لا تهاجم أحدًا، وتستخدمها للدفاع عن نفسها.
وتابع بأنه بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة يرى أنها هي خبيرة في تصنيع رؤوس نووية وتحمل هذه الصواريخ، فهذه نقطة خلاف كبيرة، واختتم بقوله: “إن إسرائيل والولايات المتحدة يريدون أن يوقفوا التخصيب، وهذا ليس من حقهم، لأن اتفاقية منع الانتشار النووي تسمح بالتخصيب في الأغراض السلمية بنسبة معينة، وإيران موقعة على اتفاقية منع الانتشار، وبالتالي هي كانت تخصيب في الإطار المسموح، وإسرائيل لم توقع على هذه الاتفاقية”، فأكد سيادة السفير أن الحل الوسط هو العودة إلى المفاوضات.