هل اقتربنا من نهاية الحرب؟
ربما!
كل المؤشرات تقول إن انفجارات القنابل قد تهدأ، لكن هذه المنطقة من العالم لن تعود كما كانت، فبعد أن تتوقف الحروب تبدأ الأسئلة الكبرى! ماذا سيحدث؟ والأهم ماذا علينا أن نفعل؟
مصر هذا البلد الكبير في الإقليم لا يملك رفاهية الانتظار أو الترقب، فالدول الكبرى لا تنتظر ترتيبات تأتيها من الخارج، ولا تصمت حتى “الوقت الضائع”.
هناك ثلاثة مسارات مهمة بات علينا أن نتحرك عليهم بسرعة وتأن وحسابات دقيقة، وهي:
الإقليم والأمن القومي: فلم تكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مجرد صراع عسكري، بل هي إعادة رسم لموازين القوة في الإقليم والعالم، حرب تحدد فيها الولايات المتحدة ومعها الكيان المحتل مساحات جديدة للنفوذ والتأثير، وشرق أوسط جديد بشر به رئيس الوزراء الإسرائيلي المتطرف بنيامين نتنياهو.
من هنا، لا يمكن لمصر أن تراقب من بعيد، عليها أن تكون فاعلاً لا وسيطًا.
هذا بلد يستطيع بما يملك من تأثير ومقومات وتاريخ أن يستعيد وزنه في المعادلات الجديدة، والبداية تكون من بناء شبكة مصالح وتعاون، تشمل البلدان العربية والإسلامية والأفريقية، تلك هي دوائر الأمن القومي المصري عبر التاريخ، وبدور فاعل وتقارب جاد يمكن لنا المشاركة في القادم.
ولا يجب أن تنفصل نلك التحركات عن تقوية الحضور المصري في البحر الأحمر، وتأمين الممرات الحيوية وعلى رأسها قناة السويس، وحمايتها من كل محاولات الإضرار بها.
في ترتيبات المستقبل لا يمكن أن تقوم علاقات مصر العربية إلا على أساس شراكات أمنية حقيقية، تستوعب ما جرى في حرب إيران، وتدرك أن الوجود الأمريكي في المنطقة، لا سيما دول الخليج، بات هو الأخطر على الأمن القومي العربي، وأن القادم لا يجب أن يشبه الماضي في شيء، فبحسابات السياسة لم يعد الأمن القومي حدودًا جغرافية فقط، بل نفوذًا ممتدًا، وقدرة على التأثير والتحرك.
الاقتصاد المصري: فالحروب لا تترك الاقتصادوشأنه، بل تعيد توزيع الفرص والخسائر، والحرب الإيرانية الأمريكية أضرت باقتصاد العالم بشدة، فاضطربت أسواق الطاقة، وتأثرت سلاسل الإمداد، وأُقلقت رؤوس الأموال التي باتت تبحث عن ملاذات آمنة.
من هذه النتائج يمكن لمصر أن تتحرك، فإحياء أفكار كانت قائمة يمكن أن يساعد، وكذلك مركز إقليمي للطاقة بعد أن كشفت الحرب أن الطاقة سلاح فاعل ومؤثر.
لكن لا يمكن النظر إلى المستقبل دون تغييرات حقيقية في السياسات الاقتصادية القائمة، والتي تبدأ بتحرير بيئة الاستثمار من التعقيد، وتقليل دور الدولة في الاقتصاد لصالح القطاع الخاص الوطني المنتج، وضبط الإنفاق العام بحيث يذهب لما يولد قيمة، وتأكيد الدولة دورها في مساعدة الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وعدم تحمل هؤلاء فاتورة أي إصلاح قادم، فالفرص موجودة، لكنها لن تنتظر، ومن يتأخر سيدفع ثمن التردد.
السياسة والداخل: فلا يمكن فصل الخارج عن الداخل، والدول التي تصمد في وجه أي متغيرات آتية هي التي تملك جبهة داخلية قوية ومتماسكة، والتماسك لا يحدث إلا بأيدينا.
من هنا لا تنفصل أي إجراءات ترتبط بحماية الأمن القومي عن ضرورة فتح المجال العام، وإعادة الثقة بين الحكم والمجتمع، فمصر في احتياج إلى شرعية قائمة على المشاركة والحوار والاستماع، وإلى مساحات نقاش حقيقية، وإلى إعلام قادر على طرح الأسئلة لا الاكتفاء بترديد الإجابات، إعلام حر ومهني ومتنوع، لا يكتفي بصوت واحد أو رواية واحدة.
وقبل كل ذلك وبعده مصر في احتياج إلى حياة سياسية تعبر عن المجتمع، لا تختصره في صوت السلطة، وفي احتياج إلى مساحات أوسع من الحرية، تغلق ملف سجناء الرأي المزعج بالكامل، وتطلق سراح كل صاحب رأي، وتبني مستقبلًا مختلفًا عن كل ما فات.
والاختيار في يد من يملك القرار، وهو اختيار سندفع جميعًا ثمنه لسنوات طويلة مقبلة.