في لحظة سياسية وعسكرية فارقة، وبنبرة لم تخلو من الوعيد الممزوج بمرارة الواقع، خرج الناطق باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، ليعيد رسم خارطة الصراع في المنطقة.
لم يكن خطابًا عاديًا، بل كان بمثابة “مانيفستو” جديد يتجاوز حدود قطاع غزة المحاصر، مؤكدًا أن المنطقة بأسرها باتت على صفيح ساخن، وأن ما وصفه بـ”البلطجة السافرة” قد مزق كل المواثيق الدولية.
ما بعد غزة.. توحش عابر للحدود
بدأ أبو عبيدة خطابه بتوصيف دقيق لما أسماه “توحش العدو”، الذي لم تشبعه دماء غزة، بل امتد ليشمل لبنان واليمن، وصولًا إلى استهداف قطر وإيران، وضع العالم أمام مرآة الحقيقة: عالم ذو “مكيال مزدوج” لا يستفيق إلا لمطالبة الضحية بمزيد من التنازلات، بينما يغض الطرف عن “مصيدة الموت” التي نصبت للأبرياء.
المفاوضات.. فخ أم فرصة ضائعة؟
فجر الناطق باسم القسام قنبلة سياسية حين كشف عن خطورة ما يحاول الاحتلال تمريره عبر الوسطاء، وبكل وضوح، وضع أبو عبيدة الكرة في ملعب المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية، مؤكدًا أن المقاومة أدت ما عليها، وأن الطرف الفلسطيني تعامل بمسؤولية لسحب الذرائع.
وأضاف: “المرحلة الأولى أولاً، ولا حديث عن مراحل ثانية قبل التزام الاحتلال بالمرحلة الأولى، التعطيل الإسرائيلي يوضح أن العدو هو المعرقل الوحيد للاتفاق”.
زلزال في طهران والضاحية.. دماء واحدة
في لفتة بارزة، نعى أبو عبيدة شهداء وقادة إيران، وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، معتبرًا أن المجازر هناك، مثل مجزرة مدرسة ميناب، امتداد للإبادة في غزة. وأشاد بضربات الحرس الثوري وحزب الله، واعتبرها الشرارة التي انطلقت من غزة لتشعل المنطقة دفاعًا عن “أمة واحدة”.
دعوات للزحف وعمليات نوعية
لم يكتفِ أبو عبيدة بالتوصيف، بل انتقل إلى مرحلة الفعل، موجّهًا نداءات مباشرة، للداخل والقدس، للزحف نحو المسجد الأقصى، وللمقاومة في لبنان، لتحويل الالتحام المباشر إلى فرصة لأسر جنود صهاينة، وللضفة الغربية، لتنفيذ عمليات نوعية ردًا على “قانون إعدام الأسرى”، الذي وصفه بـ”وصمة العار”.
وأضاف: “إسرائيل الكبرى لن تكون إلا في أوهام التائهين، وجالوت المدرع سيسقط متى ما سقط عنه درعه.”
هل نحن أمام حرب إقليمية شاملة؟
بينما يحاول ما وصفه بـ”الصلف الصهيو-أمريكي” تنفيذ مخططاته فوق أنقاض البلاد، يراهن أبو عبيدة على إرث وحضارة الأمة. الخطاب اليوم لم يكن مجرد تحديث عسكري، بل تحذيرًا أخيرًا من التشرذم في معارك جانبية، داعيًا الجميع للالتفاف حول “مكامن القوة” قبل أن تلتهم النيران ما تبقى.