تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتداخل المصالح الدولية، وسط تصاعد التساؤلات بشأن مستقبل التوازنات الاستراتيجية في المنطقة.
وبينما تتزايد التحليلات حول مآلات الصراع، يؤكد مراقبون أن المشهد لا يزال مفتوحًا على جميع السيناريوهات، وأن أي استنتاجات نهائية بشأن إعادة تشكيل النظام الإقليمي تظل مرهونة بما ستسفر عنه التطورات على الأرض، في وقت تبقى فيه الدبلوماسية واحتواء التصعيد الخيار الأكثر أهمية لتجنب اتساع رقعة الفوضى.
التحليل الاستراتيجي يقوم على السيناريوهات لا الفرضيات
وفي هذا السياق، قال السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن تناول التطورات الإقليمية يجب أن ينطلق من قراءة موضوعية للوقائع، وليس من فرضيات لم تتحقق بعد، مشددًا على أن الحديث عن “سقوط إيران” لا يستند إلى معطيات مؤكدة.
وأوضح حجازي، أن التحليل الاستراتيجي يعتمد على دراسة السيناريوهات المحتملة وتقييم تداعيات كل منها، بعيدًا عن استنتاجات غير محسومة.
الصراع يتجاوز المواجهة العسكرية
وأشار إلى أن ما تشهده المنطقة لا يقتصر على مواجهة عسكرية بين أطراف محددة، بل يعكس صراعًا أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى وترتيبات الأمن الإقليمي.
وأضاف مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الحديث عن ولادة نظام إقليمي جديد لا يزال مبكرًا، لأن ذلك يرتبط بنتائج الصراع ومدى قدرة القوى المختلفة على تثبيت معادلات جديدة على الأرض.
الضغوط المقبلة سترتبط بالملفات لا بالدول
وأوضح حجازي، أنه حتى في حال انتهاء المواجهة مع إيران، فإن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية لن تنتقل بالضرورة إلى دولة بعينها، وإنما ستتركز على الملفات التي لا تزال تمثل مصادر توتر، وفي مقدمتها البرنامج النووي، والصواريخ والطائرات المسيّرة، وشبكات النفوذ الإقليمية، وأمن الممرات البحرية، إلى جانب ترتيبات الأمن في الخليج وبلاد الشام.
وأكد أن اختزال المشهد في الحديث عن “الدولة التالية” لا يعكس تعقيدات الواقع الاستراتيجي.
احتواء التصعيد أولوية لحماية الأمن القومي العربي
وأكد السفير محمد حجازي، أن الحفاظ على الأمن القومي العربي يتطلب العمل على منع اتساع دائرة الصراع، وصون وحدة الدول الوطنية، وتجنب أي فراغ استراتيجي قد تستغله التنظيمات المتطرفة أو القوى الإقليمية والدولية.
وأضاف أن استمرار التوتر ستكون له تداعيات مباشرة على أمن الطاقة، وحرية الملاحة، والاستثمارات، وسلاسل الإمداد، مشددًا على أن المرحلة الراهنة تستدعي أعلى درجات الحذر، مع إعطاء الأولوية للحلول السياسية والدبلوماسية لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حالة من الفوضى الإقليمية.
إيران في قلب الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية
ومن جانبه قال الدكتور مختار غباشي المحلل السياسي إن افتراض سقوط إيران يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن طهران تمثل من وجهة نظره العقبة الأبرز أمام التمدد الإسرائيلي ومشروعات الهيمنة الأمريكية في المنطقة.
وأوضح أن إيران تُعد الدولة الوحيدة التي تعلن معارضتها بشكل مباشر وصريح للسياسات الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يجعلها هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا بالنسبة لواشنطن وتل أبيب.
استهداف إيران ليس الهدف الوحيد
وأضاف غباشي أن الهدف الأمريكي والإسرائيلي لا يقتصر على إيران وحدها، وإن كانت تمثل الهدف الأساسي في المرحلة الحالية، لافتًا إلى أن الخطوة التالية تتمثل في تقليص أو إنهاء نفوذ القوى والجماعات المتحالفة معها في المنطقة، سواء في لبنان أو اليمن أو العراق، باعتبارها جزءًا من شبكة النفوذ الإقليمي التي تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إضعافها.
مستقبل المنطقة مرهون بتوازنات الصراع
وأكد الدكتور مختار غباشي أن تداعيات أي تغير في وضع إيران لن تقتصر على حدودها، بل قد تمتد إلى مختلف دول الشرق الأوسط، مع اختلاف ترتيب الأولويات من وجهة نظر القوى الدولية.
وأشار إلى أن دولًا إقليمية مثل تركيا وباكستان قد تتأثر أيضًا بالتحولات الجيوسياسية المحتملة، في ظل سعي القوى الكبرى إلى إعادة رسم موازين القوى والنفوذ في المنطقة.