على مدى أكثر من قرن من الزمان، لم تكن الوسيلة الإعلامية في مصر مجرد قناة لنقل الأخبار أو بث الدراما، بل كانت دائماً “المهندس الأول” للوعي الجمعي، واليد التي تضبط إيقاع الشارع وتحدد حدود المسموح والمحظور.
في رحلة ممتدة بين عقود متتالية، خضعت العلاقة بين الحاكم والمحكوم لتحولات جذريّة؛ تغيرت فيها لغة الخطاب الرسمي وأدواته من «النداء الملحمي» الذي يجمع الأمة حول بوق المذياع، إلى «التوجيه الأبوي» المستقر في صالونات المنازل عبر شاشة التليفزيون، ثم إلى “الاشتباك والدفاع» مع انكسار الاحتكار في عصر الفضائيات، وصولاً إلى «صراع السرديات ومطاردة التريند” في ساحات السوشيال ميديا المتشظية.
يقول محيي 83 سنة في حديثه لـ “القصة” “زمان.. لما كان عبد الناصر يطلع يتكلم في الراديو، الدنيا كلها كانت بتقف، القهوة كانت بتترص كراسي لآخر الشارع، جهاز الراديو الخشب الكبير ده كان بالنسبة لنا زي المعبد، محدش بيتنفس، الكل بيسمع ويا إما بنفرح مع بعض يا بنحزن مع بعض، كان في صوت واحد بس هو اللي بيحركنا كلنا من أسوان لإسكندرية”.
عرفت مصر الإذاعة في مرحلة مبكرة عن باقى الإذاعات العربية، إذ كان أول ظهور لها عام 1925 أي بعد ظهور أول محطة إذاعية في العالم بخمس سنوات، وكانت بدايتها في شكل إذاعات أهلية يملكها أفراد وتعتمد في تمويلها على الإعلانات ومن بين الإذاعات في ذلك الوقت (راديو فاروق) و(فؤاد) و(فوزية) و(سابو) و(محطة مصر الجديدة) و(سكمبرى) و(فيولا).
فى يوم الخميس الموافق 31 مايو عام 1934 كان افتتاح الإذاعة المصرية بآيات من القرآن الكريم بصوت الشيخ محمد رفعت، وكانت أول قراءة له من سورة الفتح، وقدمه للقراءة عبر الميكروفون محمد سعيد لطفى باشا مدير الإذاعة، بينما كان الفنان أحمد سالم مدير استوديو مصر أول من قال العبارة الخالدة “هنا القاهرة”.
جمال عبد الناصر وخطاب تاميم قناة السويس
في مساء 26 يوليو 1956، لم يكن المصريون أمام خبر عادي، وإنما أمام لحظة سياسية جرى إعلانها على الهواء مباشرة. وقف جمال عبد الناصر في الإسكندرية لإلقاء خطابه بمناسبة الذكرى الرابعة لثورة يوليو، بينما كانت الإذاعة تنقل كلماته إلى المصريين، قبل أن يصل إلى اللحظة التي أصبحت واحدة من أشهر اللحظات في تاريخ الخطاب السياسي المصري، معلنًا تأميم شركة قناة السويس.
لم يأتِ إعلان التأميم منفصلًا عن السياق السياسي للخطاب، إذ بدأ عبد الناصر باستدعاء السنوات الأولى للثورة، والحديث عن الاستقلال ومواجهة النفوذ الأجنبي، قبل أن ينتقل إلى قناة السويس باعتبارها رمزًا للسيادة المصرية، وعندما نطق باسم «دي لسبس» ثم أعلن قرار التأميم، لم يعد الراديو مجرد وسيلة تنقل خطابًا سياسيًا، بل أصبح الوسيلة التي شهد من خلالها المصريون لحظة صناعة القرار وإعلانها في التوقيت نفسه.
التليفزيون المصري
بدأ البث الأول للتليفزيون المصري 21 يوليو 1960، في الساعة السابعة مساءً، واستمر لمدة 6 ساعات يومياً، تزامناً مع الاحتفال بالعيد الثامن لثورة يوليو، وبدأ الإرسال بتلاوة آيات من القرآن الكريم بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوى شيخ المقرئين المصريين.
ونقل التليفزيون خطاب الرئيس عبد الناصر أمام مجلس الأمة بمناسبة احتفالات الثورة، وأعقبته مجموعة أغنيات وطنية لكبار المطربين، مثل أغنية “حكاية شعب” لـ الفنان عبدالحليم حافظ ثم كلمة الدكتور عبد القادر حاتم وزير الإرشاد القومى، وفقًا لما ذكرته الهيئة الوطنية للإعلام.
وبعد أحد عشر عامًا، من خطاب تأميم قناة السويس ظهر التليفزيون إلى جانب الراديو باعتبارهما الوسيط الرئيسي بين عبد الناصر والجمهور، ولكن في لحظة مختلفة تمامًا، ففي 9 يونيو 1967، خرج الرئيس المصري إلى المواطنين بعد الهزيمة في حرب يونيو، معلنًا تحمله المسؤولية السياسية وقراره التنحي عن منصبه.
وقال عبد الناصر في خطابه: “لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي”، لتتحول الجملة خلال ساعات إلى حديث عام تجاوز حدود أجهزة الراديو. فالمفارقة أن الخطاب الذي أُعلن من خلاله قرار الانسحاب من الحياة السياسية أصبح نفسه شرارة لرد فعل جماهيري واسع، خرج فيه المصريون إلى الشوارع للمطالبة ببقائه، قبل أن يعلن لاحقًا العدول عن التنحي.
بين خطاب التأميم وخطاب التنحي، وما بينهما من خطابات يمكن قراءة جانب مهم من علاقة السلطة بالمصريين في عصر الراديو والتليفزيون، فالرئيس كان يمتلك منصة تصل إلى جمهور واسع في اللحظة نفسها، والجمهور كان يستقبل الخطاب باعتباره مصدرًا رئيسيًا للمعلومة والتفسير، ولم تكن هناك منصات اجتماعية تسمح بإعادة نشر مقطع من الخطاب أو تفكيكه لحظة بلحظة، لكن ذلك لم يمنع الرسالة من صناعة رد فعل سياسي حقيقي.
السادات والإعلام
مع أن الراديو ظل حاضرًا بقوة في الحياة السياسية خلال عهد أنور السادات، فإن الخطاب الرئاسي بدأ يشهد تحولًا مهمًا مع اتساع حضور التليفزيون. لم يعد المواطن يكتفي بسماع صوت الرئيس، وإنما أصبح قادرًا على رؤيته وهو يتحدث، لتدخل الصورة نفسها في صناعة الرسالة السياسية.
ويكشف أرشيف السادات الرسمي عن عشرات الخطب والأحاديث الموجهة إلى الإذاعة والتليفزيون، إلى جانب مقابلات مع محطات عربية وأجنبية، بما يعكس اتساع دوائر الخطاب الرئاسي في تلك الفترة.
وفي أكتوبر 1973، استعاد الراديو مكانته باعتباره الوسيلة الأسرع التي يلجأ إليها المصريون لمعرفة ما يجري على الجبهة، بينما كانت البيانات العسكرية والأخبار تُتابع على مدار اليوم. وفي 16 أكتوبر، خرج السادات أمام مجلس الشعب متحدثًا إلى المصريين والعرب والعالم، واضعًا الحرب والسلام في قلب خطابه، ومؤكدًا أن ما جرى لم يكن مجرد معركة عسكرية، وإنما لحظة لاستعادة الثقة بعد هزيمة 1967، وقال: «عاهدت الله وعاهدتكم على أن نثبت للعالم أن نكسة سنة 1967 كانت استثناءً في تاريخنا وليست قاعدة».
كان هذا التحول جزءًا من تغير أكبر في علاقة المصريين بالإعلام السياسي. ففي عصر الراديو، كان الصوت قادرًا على جمع جمهور واسع حول رسالة واحدة في اللحظة نفسها، أما مع التليفزيون، فقد دخلت الصورة إلى المعادلة، وأصبح المواطن يسمع الرئيس ويراه في الوقت نفسه،
ومع السادات، بدأت الوسيلة الإعلامية تتحول من مجرد ناقل للخطاب إلى عنصر في تشكيله؛ فمكان الحديث، وطريقة ظهور الرئيس، والمذيع الذي يحاوره، وحتى لغة الجسد، أصبحت جميعها جزءًا مما يتلقاه الجمهور.
تقول فاطمة 60 سنة”في التمانينيات، كانت الساعة 9 دي حظر تجول اختياري في البيت، التليفزيون مفيش فيه غير الأولى والتانية، النشرة تبتدي من هنا، وأبويا الله يرحمه يقعد قدام الشاشة بالوقار بتاعه، وإحنا ساكتين، كانت الأخبار اللي بتتقال في النشرة دي هي الحقيقة الوحيدة اللي نعرفها، ومفيش حد في الشارع كله بيشكك في كلمة واحدة بتتقال”.
مع تولي حسني مبارك الحكم عام 1981، ظل التليفزيون المصري والإذاعة يمثلان المنبر الأساسي للخطاب الرسمي، وظلت النشرة الرئيسية والخطابات الرئاسية والمناسبات الرسمية جزءًا ثابتًا من المشهد الإعلامي. لكن السنوات التي تلت شهدت تحولًا تدريجيًا في شكل العلاقة بين السلطة والإعلام، خصوصًا مع ظهور القنوات الفضائية وانتشار أطباق استقبال البث الفضائي في البيوت المصرية.
لم يعد المواطن مضطرًا إلى انتظار النشرة الرسمية لمعرفة ما يحدث، وأصبح بإمكانه الانتقال بين قنوات عربية وأجنبية متعددة، والاستماع إلى روايات مختلفة للحدث نفسه. وهنا بدأت للمرة الأولى فكرة «الشاشة الواحدة» في التراجع؛ فبينما ظلت الدولة تمتلك وسائلها الرسمية، أصبح الجمهور يمتلك خيارات أخرى خارجها.
في مساء 10 فبراير 2011، جلس ملايين المصريين أمام شاشات التليفزيون انتظارًا لخطاب حسني مبارك، بعد 18 يومًا من اندلاع الاحتجاجات في ميدان التحرير وعدد من المحافظات، وكانت التوقعات تشير إلى أن الرئيس سيعلن رحيله، لكن الخطاب جاء مختلفًا عن المنتظر؛ فقد أعلن مبارك تفويض بعض صلاحياته إلى نائبه عمر سليمان، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه باقٍ في منصبه.
وقال مبارك في خطابه: «إنني أقول لكم جميعًا إنني مستعد أن أذهب إلى أبعد مدى من أجل مصلحة الوطن»، مؤكدًا أنه سيستمر في تحمل مسؤولياته حتى يتم الانتقال إلى السلطة بصورة تضمن الاستقرار، لكن الرسالة التي أرادت السلطة أن تقدم بها نهاية للأزمة لم تُقنع المحتجين، الذين واصلوا احتجاجاتهم في اليوم التالي.
وفي اليوم التالي، 11 فبراير، أعلن عمر سليمان في بيان مقتضب أذيع عبر التليفزيون أيضًا تخلي مبارك عن منصب رئيس الجمهورية، لتنتقل لحظة الإعلان من قصر الرئاسة إلى الشارع الذي كان ينتظرها.
ثورة يناير قد كشفت أن الشارع لم يعد ينتظر الرواية الرسمية وحدها، وأن الهاتف المحمول ومواقع التواصل الاجتماعي أصبحا قادرين على نقل ما يحدث في الشارع لحظة بلحظة، وانتقل المواطن من موقع المتلقي إلى موقع المشارك، وأصبح قادرًا على تصوير الحدث ونشره والتعليق عليه قبل أن تصل إليه كاميرات التليفزيون.
ومع اتساع استخدام فيسبوك ويوتيوب وتويتر، لم يعد الخطاب السياسي محصورًا في نشرة أو مؤتمر صحفي أو خطاب رئاسي ينتظره الجمهور في موعد محدد، أصبح الخبر ينتقل على مدار الساعة، ويتحول أي تصريح للرئيس أو المسؤول إلى مادة قابلة لإعادة النشر والاقتباس والمناقشة، بينما باتت ردود فعل المواطنين نفسها جزءًا من المشهد الإعلامي.
من جانبه، يرى الأديب والمؤرخ إبراهيم أديب أن التطور التكنولوجي أحدث تحولًا كبيرًا في أدوات الإعلام وطرق التواصل بين السلطة والمواطنين، مشيرًا إلى أن ثورة تكنولوجيا المعلومات جعلت العالم أشبه بقرية صغيرة، وأتاحت للأفراد التواصل والوصول إلى أي دولة أو معلومة في وقت قصير.
ويقول أديب إن هذا التطور انعكس بصورة مباشرة على وسائل الإعلام التقليدية، وعلى رأسها الصحافة الورقية، التي اتجه عدد كبير من الصحف حول العالم إلى تحويل إصداراتها إلى نسخ إلكترونية، بالتزامن مع تراجع قدرة الوسائل التقليدية على توجيه الجمهور مقارنة بما كانت عليه في العقود الماضية.
ويضيف أن أدوات التواصل بين الحاكم والشعب تغيرت مع دخول التكنولوجيا الحديثة؛ فبعدما كان الراديو والتليفزيون يمثلان الوسيلتين الرئيسيتين لوصول الخطاب الرسمي إلى المواطنين، ظهرت إلى جانبهما وسائل التواصل الاجتماعي، مثل «فيسبوك» و«تويتر»، وغيرها من المنصات التي أتاحت تعدد مصادر المعلومات وسرعة تداولها.
لكن أديب يحذر في الوقت نفسه من الوجه الآخر لهذا التطور، معتبرًا أن استخدام التكنولوجيا دون وعي يمكن أن يؤدي إلى نتائج خطيرة، خصوصًا في ظل الانتشار الواسع للشائعات عبر الإنترنت. ويضرب مثالًا على ذلك بما شهدته دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن ثورة 25 يناير ارتبطت بشكل كبير باستخدام الوسائل الإلكترونية في الحشد ونقل المعلومات، حتى وُصفت في بعض الأحيان بأنها «ثورة إلكترونية».
ويرى المؤرخ أن وسائل الإعلام الحديثة جعلت التواصل مع الجمهور أكثر تعددًا، فلم يعد المسؤول أو رأس السلطة يعتمد على وسيلة واحدة، وإنما أصبح أمامه الإعلام الرسمي، من إذاعة وتليفزيون، والإعلام الخاص، إلى جانب وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية.
ويشير إلى أن هذا التطور يحمل جانبين، أحدهما إيجابي يتمثل في سرعة الوصول إلى المعلومات وتعدد وسائل التواصل، والآخر سلبي يتمثل في إمكانية توظيف هذه الأدوات في نشر الأخبار الكاذبة والشائعات أو تحقيق أهداف سياسية.
ويؤكد أديب أن بعض الدول وأصحاب المصالح قد يستغلون وسائل التكنولوجيا في التأثير على المجتمعات وتحقيق أهدافهم، معتبرًا أن ما يُعرف بحروب الجيل الرابع والخامس يعتمد بدرجة كبيرة على أدوات التقنية ووسائل الاتصال الحديثة.
وعن تأثير محدودية وسائل الإعلام في الماضي على طريقة تلقي المصريين للخطاب السياسي، يقول أديب إن تعدد الوسائل لم يكن موجودًا بالصورة الحالية، وإن الجمهور كان يعتمد على عدد محدود من القنوات الإعلامية، وهو ما منح وسائل الإعلام الرسمية قدرة أكبر على توجيه الرسالة وصياغة ما يتلقاه المواطنون.
ويضيف أن المشهد تغير بصورة كبيرة مع تعدد القنوات والمنصات، وأصبحت سرعة نقل المعلومات عنصرًا أساسيًا في المنافسة الإعلامية، مشيرًا إلى أن الإنترنت أصبح من أسرع الوسائل في نقل الأخبار، إذ يمكن تداول الخبر في اللحظة نفسها التي يجري فيها إنتاجه أو كتابته.
ورغم هذا التحول، يؤكد أديب أن وسائل الإعلام الرسمية لا تزال تحتفظ بأهميتها، وتظل، من وجهة نظره، مصدرًا أساسيًا يعتمد عليه الجمهور في الحصول على المعلومات.