السلامة المهنية والأمن السيبراني.. ركيزتا النهوض بقطاع السياحة المصرية
في ظل السباق المحموم نحو استعادة مكانة مصر على خريطة السياحة العالمية، يغيب عن المشهد أحيانًا عامل حاسم لا يقل أهمية عن البنية التحتية أو الترويج الخارجي؛ ألا وهو الإنسان الذي يقف في الصفوف الأمامية لاستقبال الزائر، والبيئة الآمنة التي يعمل ضمنها.
القطاع السياحي ليس مجرد فنادق ومواقع أثرية وشواطئ، بل هو منظومة متكاملة تعتمد في المقام الأول على الكادر البشري. وعندما يعمل هذا الكادر في بيئة غير آمنة، أو يفتقر إلى التدريب الكافي، فإن الخسارة لا تقتصر على صحة العامل وحسب، بل تمتد لتطال سمعة الوجهة بأكملها.
التدريب في هذا السياق ليس ترفًا أو شكلية تُنجز مرة في العام. إنه ضرورة حية تتطلب برامج مستمرة ومتخصصة؛ من تدريب السائقين على القيادة الآمنة، إلى تعليم عمال النظافة طرق رفع الأحمال الصحيحة، وصولًا إلى إعداد المرشدين للتعامل مع الضغوط الحرارية التي قد تهدد حياتهم أثناء العمل في المواقع المكشوفة.
لكن السلامة المهنية لا تعني فقط حماية الجسد، بل تمتد لتشمل الفضاء الرقمي الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من عمل الفنادق والمنشآت السياحية. فالعاملون يتعاملون يوميًا مع بيانات حساسة للنزلاء، وغياب الوعي بأساسيات الأمن السيبراني يجعلهم بوابة سهلة للاختراقات والهجمات الإلكترونية. الأرقام تتحدث هنا بوضوح؛ فنحو 89% من قادة تكنولوجيا المعلومات في الفنادق يضعون الأمن السيبراني على رأس أولوياتهم لعام 2026. وهذا يعني أن التهديد ليس افتراضيًا، بل واقع يستوجب الاستعداد الفعلي عبر تدريب العاملين على التعرف على رسائل التصيد الاحتيالي واعتماد كلمات مرور قوية.
من جهة أخرى، تحمل التكنولوجيا في طياتها حلولًا عملية تقلل المخاطر وترفع الكفاءة. فالذكاء الاصطناعي قادر على مراقبة الكثافات في المواقع الأثرية والتنبؤ بالمخاطر قبل تفاقمها. ولا يقتصر الأمر على المراقبة؛ فاستخدام الروبوتات في أعمال النظافة ونقل الأمتعة – كما تُجريه بعض الدول مثل اليابان – يخفف العبء عن العاملين ويقلل فرص الإصابات. كما أن اعتماد التعرف البيومتري يُحسّن مستوى الأمن ويقلل الاحتكاك في نقاط الدخول والخروج، وهو ما يُسهم في تجربة نزيل أكثر سلاسة وأمانًا.
مصر ليست بعيدة عن تجارب ناجحة في مجال السلامة. فخلال جائحة كوفيد-19، تمكنت من إطلاق “شهادة السلامة الصحية” بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، وحصلت عليها 605 فنادق ومنتجعات سياحية موزعة على 21 محافظة. هذه التجربة لم تكن مجرد رد فعل آني على أزمة، بل يمكن أن تكون حجر أساس لنظام سلامة دائم وشامل. السؤال المطروح: لماذا لا نبني عليها بدلًا من إهمالها؟
الأرقام من خارج حدودنا تُقدم درسًا بليغًا. في الفنادق الأمريكية، تبلغ تكلفة المطالبات العمالية نحو 9,500 دولار في المتوسط للحالة الواحدة، ما يُترجم إلى خسائر سنوية تصل إلى 33.6 مليون دولار. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات بعيدة، بل تحذير واضح بأن الوقاية أرخص بكثير من العلاج، وأن الاستثمار في السلامة المهنية هو استثمار في الاستدامة الاقتصادية للقطاع.
لذا، يبدو أن الوقت قد حان لوضع معايير وطنية ملزمة للسلامة المهنية في المنشآت السياحية، وإنشاء وحدة متخصصة للتفتيش الدوري تتبع وزارة السياحة والآثار. كما يتعين نشر ثقافة السلامة بين العاملين وتطوير برامج شهادات تمنح للمنشآت الملتزمة، بما يُحفز المنافسة الإيجابية نحو بيئات عمل أفضل.
الوجهة السياحية من الطراز الأول لا تُبنى بمفردات التسويق الفاخر فحسب، بل بأجساد سليمة وقلوب مطمئنة للعاملين فيها. العامل السياحي الآمن هو السفير الحقيقي لبلده؛ فالابتسامة التي يحملها لا تُرسم بأمر إداري، بل تنبع من ثقة في بيئة عمل تحميه وتقدره.
لنُحوّل السلامة المهنية من شعار نرفعه في المناسبات والاحتفالات إلى ثقافة نعيشها يوميًا. فمصر تستحق الأفضل، والنهوض بالسياحة يبدأ من الاهتمام بمن يصنعونها بأيديهم وعرقهم.