في العادة، لا تحمل دعوة إلى العشاء أكثر مما يبدو على بطاقة الدعوة: مائدة، أحاديث عابرة، مجاملات دبلوماسية، وربما نخبٌ قصير قبل أن ينصرف الضيوف، لكن بالنسبة إلى الدكتور أيمن منصور ندا، بدت عشر دعوات تلقاها خلال أقل من ثلاثة أشهر مختلفة قليلًا.
منذ يونيو وحتى أوائل أغسطس، جلس ندا إلى موائد سفراء من دول أوروبية وآسيوية وأمريكية لاتينية كبرى، مرة وسط عدد محدود من السياسيين والمفكرين والبرلمانيين، ومرة في لقاء شخصي، ومرة أخرى كان المصري الوحيد بين شخصيات أجنبية.
لم يقل له أحد إن حدثًا بعينه سيقع، لم يحدد له سفير موعدًا، ولم يتلقَّ تحذيرًا مباشرًا، لكن شيئًا آخر ظل يتكرر على موائد العشاء: أسئلة عن مصر، عن اقتصادها، عن السياسة، عن النخب، وعن النقطة التي يبدأ عندها المجتمع في فقدان قدرته على الاحتمال.
في حديثه لـ القصة، يؤكد الدكتور أيمن منصور ندا الأستاذ بكلية الإعلام جامعة القاهرة سابقًا أنه لا يملك معلومات مؤكدة بشأن ما يمكن أن تشهده مصر خلال أكتوبر أو نوفمبر، مشددًا على أنه لا يريد تحويل انطباعاته إلى تنبؤات.
ويقول ندا إن ما كتبه في مقاله لم يكن قائمًا على معلومة محددة، وإنما على إحساس تولد لديه من سلسلة اللقاءات التي جمعته بسفراء ومسؤولين دبلوماسيين، مؤكدًا أن الدعوات إلى لقاءات جديدة لم تتوقف، وأن بعضها جاء بعد نشر مقاله.
وبحسب ندا، فإن التفسيرين الأكثر احتمالًا لما لمسه خلال هذه اللقاءات هما: إما أن لدى بعض الأطراف معلومات لا يمكنها الإفصاح عنها، أو أن الأمر لا يتجاوز محاولة لجمع معلومات وقراءة المزاج العام في مصر.
ويشير إلى أن الأسئلة التي طُرحت عليه لم تكن بالضرورة من نوع ماذا سيحدث؟، وإنما انصبت، في جانب منها، على ما قد يفعله المصريون إذا وقع تطور أو أزمة ما، وهو ما قرأه باعتباره مؤشرًا على وجود حالة من القلق أو الترقب.
لكن حديث ندا لا يقف عند حدود موائد العشاء، فبعيدًا عن السؤال عما إذا كان السفراء يعرفون شيئًا لا يقولونه، تبدو الصورة الاقتصادية التي ترسمها المؤسسات الدولية أكثر وضوحًا: مصر تدخل النصف الثاني من 2026 وهي أمام مجموعة من الاستحقاقات.
ففي نهاية يوليو، أنهى صندوق النقد الدولي المراجعة السابعة لبرنامج مصر، بما أتاح للقاهرة سحب نحو 1.5 مليار دولار في إطار برنامج التسهيل الممدد، إضافة إلى نحو 272 مليون دولار من تسهيل الصلابة والاستدامة، لكن الصندوق، في الوقت نفسه، لم يتعامل مع المراجعة باعتبارها نهاية القصة، بل شدد على ضرورة استمرار الانضباط المالي، والحفاظ على سياسة نقدية متشددة، وتسريع برنامج التخارج من أصول الدولة وتقليص حضورها في الاقتصاد.
وحدد الصندوق حدد عددًا من نقاط الضعف التي يمكن أن تجعل الأشهر المقبلة أكثر حساسية، أبرزها ارتفاع الدين العام، كبر احتياجات التمويل وإعادة التمويل، استمرار الدور الكبير للدولة في الاقتصاد، ومخاطر مرتبطة بقدرة الحكومة على مواصلة السياسات التقشفية في ظل تصاعد الضغوط الاجتماعية، كما توقع الصندوق ارتفاع التضخم إلى نحو 16.7% خلال النصف الثاني من 2026، مع تأخر العودة إلى نطاق التضخم المستهدف بنحو عام.
وكان صندوق النقد قد أشار، قبل إتمام المراجعة الأخيرة، إلى أن التضخم الحضري بلغ 14.6% في مايو، مع توقع ارتفاعه إلى 15.8% بنهاية السنة المالية، رابطًا ذلك جزئيًا بارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرات سعر الصرف. كما أكد أن استكمال الإصلاحات، وبينها تقليص دور الدولة وتسريع التخارج من الأصول، يمثل أولوية في المرحلة المقبلة.
ماذا عن التعديل الوزاري؟
في البداية، كان الحديث عن احتمال إجراء تعديل وزاري جديد هو أحد أبرز التكهنات المطروحة بشأن شكل الحكومة خلال الفترة المقبلة، وسط تساؤلات حول مدى استمرار عدد من الوزراء وإمكانية تغيير بعض الحقائب.
لكن المشهد أخذ اتجاهًا آخر مع إعلان الرئيس عن عقد مؤتمر حكومي موسع في أكتوبر، لتقديم كشف حساب عن أداء الحكومة وما أنجزته خلال الفترة الماضية، وهو ما دفع البعض إلى الربط بين التطورين: فإذا كانت الحكومة تستعد لعرض حصيلة عملها أمام المواطنين، فهل يعني ذلك أن تشكيلها الحالي مستمر، وأن فكرة التعديل الوزاري لم تعد مطروحة على المدى القريب؟
وفي الوقت نفسه، يجري الإعداد للمؤتمر السنوي الأول للإعلام المصري، المقرر عقده في ديسمبر، بعد تكليف رئاسي بتطوير المنظومة الإعلامية وفتح مساحة للحوار الإعلامي الموضوعي، بما يجعل الفترة السابقة للمؤتمر محطة مهمة لرصد ما إذا كانت هناك تغييرات في طريقة إدارة المشهد الإعلامي أو في العلاقة بين الدولة ووسائل الإعلام.
الحديث عن كشف حساب الحكومة بدا للدكتور أيمن منصور ندا أحد التطورات التي تستحق التوقف أمامها، ففي حديثه لـالقصة، أشار إلى أن بعض توقعاته بدأت، من وجهة نظره، في الظهور بالفعل، مستشهدًا بإعلان عقد المؤتمر الحكومي في أكتوبر.
ويشدد ندا على أن هذا التطور لا يعني أنه كان يعرف مسبقًا ما سيحدث، مؤكدًا أنه لا يملك معلومة محددة بشأن أكتوبر أو نوفمبر، وأن ما لديه لا يتجاوز إحساسًا تكون لديه من خلال سلسلة اللقاءات والدعوات التي تلقاها من سفراء ومسؤولين دبلوماسيين.
ويرى هلال عبد الحميد، رئيس حزب الجبهة الديمقراطية، أن أي حالة من القلق أو الترقب بشأن ما قد تشهده مصر لا يمكن فصلها عن الوضع الذي وصل إليه الشعب، محذرًا من أن عدم انتباه النظام إلى هذا الوضع وعدم البدء في تغيير سياساته قد يقود إلى تغييرات دراماتيكية تكون آثارها مدمرة على الجميع.
ويعتبر عبد الحميد أن جوهر المشكلة لا يتعلق بتغيير الأشخاص، وإنما بتغيير السياسات والرؤى والمناهج، مشيرًا إلى أن المصريين أصبحوا يتحملون جانبًا كبيرًا من أعباء الدولة، سواء من خلال الضرائب أو تحويلات المصريين بالخارج، في الوقت الذي لم تنجح فيه الحكومة، بحسب تقديره، في تنمية مصادر أخرى للإيرادات، مثل الصادرات والسياحة وقناة السويس.
ويستند عبد الحميد في ذلك إلى هيكل الإيرادات العامة، موضحًا أن ما يتم تحصيله من الضرائب في موازنة 2025/2026 وصل، بحسب أرقامه، إلى ما يقرب من 83% من قيمة الإيرادات، بينما بلغت النسبة في الموازنة الجديدة 87.4% من إجمالي الإيرادات.
ويشير إلى تحويلات المصريين العاملين بالخارج، قائلًا إن المصريين بالخارج حولوا إلى مصر خلال العام المالي المنتهي 47.3 مليار دولار، بما يعادل 48% من مجمل التدفقات الدولية، معتبرًا أن هذه الأرقام تعكس، اعتماد الدولة بدرجة كبيرة على ما يدفعه المواطنون، سواء في صورة إيرادات ضريبية أو تدفقات دولارية.
ويضيف أن الحكومة، في المقابل، لم تنجح بالقدر الكافي في تنمية مصادر أخرى للإيرادات والعملات الأجنبية، مثل الصادرات والسياحة وإيرادات قناة السويس، معتبرًا أن الشعب المصري يقدم كل هذا للحكومة والحكومة تقول إنها تدعم الشعب.
ويرى عبد الحميد أن أي تغيير حقيقي لا يمكن أن يقتصر على استبدال وزراء بآخرين، وإنما يحتاج إلى تغيير في السياسات وآليات إدارة الدولة، معتبرًا أن على النظام أن ينتبه إلى «الوضع الذي وصل إليه الشعب»، وأن يبدأ في تغيير سياساته وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وصولًا إلى حكومة منتخبة تعبر عن المواطنين.
ويحذر في ختام حديثه من أن عدم الاستجابة لهذه الضغوط قد يقود إلى نتائج أكثر خطورة، قائلًا إن استمرار الأوضاع من دون تغيير حقيقي قد يجعل كل الخوف من التغييرات الدراماتيكية التي ستكون آثارها مدمرة على الجميع.