بينما تنهمر القذائف فوق رؤوس القرى الجنوبية، وتتصاعد أعمدة الدخان لترسم خارطة جديدة للمنطقة، يبرز السؤال الوجودي: هل ما يحدث في لبنان مجرد “عملية محدودة” لتأمين الشمال، أم أنه فصل من فصول “الإبادة الجغرافية” والسيطرة على الثروات المائية؟
خدعة “العملية المحدودة”.. غزة تتكرر في الجنوب
يرى العميد ناجي ملاعب، الخبير العسكري من بيروت، أن مصطلح “محدودة” ليس سوى ستاراً للتوسع الشامل ويؤكد ملاعب لـ ” القصة” أن الاحتلال الإسرائيلي عندما بدأ عملياته الانتقامية في غزة، وصفها بـ “المحدودة” ولم يكتفي حتى وصل إلى رفح وسيطر على كامل القطاع.
ويضيف: “اليوم يحاول الاحتلال التستر بذات المصطلح أمام العالم، مدعياً الدفاع عن شمال إسرائيل، لكن الواقع الميداني يكذب ذلك؛ فدخول ثلاث فرق عسكرية واستدعاء 100 ألف جندي احتياط، بما فيهم لواء جولاني، والتوغل من ثلاثة محاور بعد التمركز على 18 تلة محتلة داخل الأراضي اللبنانية، يثبت أننا أمام غزو واسع وليس عملية محدودة”. مشيراً إلى أن الأيام العشرة الماضية أثبتت اتباع إسرائيل سياسة “الأرض المحروقة” لتمهيد الطريق لقواتها.
أطماع تاريخية.. نهر الليطاني في المرمى
خلف غبار المعارك، تطل الأطماع الإسرائيلية في المياه اللبنانية برأسها يتفق الضيفان على أن نهر الليطاني هو “الجائزة الكبرى” ويوضح العميد ملاعب أن الإنذارات الإسرائيلية لسكان القرى شمال الليطاني تعكس نية التوسع للسيطرة على مجرى النهر و مياهه، في استعادة لـ “عملية الليطاني” التاريخية.
من جانبه، يؤكد جورج علم، أستاذ العلاقات العربية الدولية، لـ “القصة” أن إسرائيل تمتلك مطامع تاريخية في لبنان، خصوصاً في المياه، وهي دائماً ما كانت حريصة على الوصول إلى الليطاني لحاجتها الماسة للمياه، مستغلة “حرب الإسناد” التي انخرط فيها حزب الله كذريعة لتحقيق هذه الأهداف.
الميدان يفرض كلمته.. صمود الـ 66 يوماً وهيبة “الميركافا”
رغم التفوق الجوي الإسرائيلي، يراهن العميد ملاعب على “إرادة الصمود”ويستذكر ما حدث بنهاية عام 2024، حين عجز جيش الاحتلال عن البقاء في الأراضي اللبنانية لأكثر من أمتار قليلة رغم احتلاله المرتفعات الخمس.
ويقول ملاعب: “الميدان هو من يفعل فعله. صحيح أن حزب الله فقد الكثير من قياداته و أسلحته، لكن انخراط إسرائيل في حرب ضد ايران واستنزاف القبة الحديدية يفسح المجال لصواريخ الحزب لضرب نهاريا وحيفا ومراكز التجمع العسكري في الشمال”. ويدلل على ذلك بالفيديوهات التي توثق إصابة دبابات “ميركافا” في سهل الخيام والطيبة والناقورة، مؤكداً أن الصراع هو بين “أصحاب الأرض” و”جنود احتياط جُلبوا من مكاتبهم”.
لبنان.. ساحة تصفية حسابات إيرانية إسرائيلية
في قراءة سياسية مغايرة، يضع جورج علم النقاط على الحروف، واصفاً لبنان بأنه بات “ساحة لصراع إيراني إسرائيلي”، ويشير علم في حديثه إلى أن حزب الله، المنتمي عقائدياً لإيران، استخدم عناصر من الحرس الثوري الإيراني لإدارة المسيرات والصواريخ بعد الاغتيالات التي طالت قياداته، وعلى رأسهم السيد حسن نصر الله.
ويضيف علم بحسرة: “الدولة اللبنانية عاجزة تماماً؛ لا هي قادرة على حصر السلاح بالقوة لأن ذلك سيؤدي لحرب أهلية مدمرة، ولا جيشها يملك العتاد أو حتى الرواتب التي تخوله المواجهة، هذا الفراغ السيادي أفسح المجال لإسرائيل لفرض واقع جديد بقوة النار، وتشريد أكثر من مليون و200 ألف نازح”.
السيناريوهات المقبلة.. هل تشتعل المنطقة؟
بينما تشتعل الجبهة اللبنانية، يبدو خيار “الحرب الإقليمية الواسعة” مستبعداً لغياب الإرادة لدى الأطراف المجاورة ويستعرض العميد ملاعب مواقف الدول الإقليمية، متسائلاً: “هل تدخل مصر حرباً لم تختارها؟ أو سوريا بوضع جيشها الحالي؟ أو الأردن الذي يعاني ما يعانيه؟”. ويشير إلى أن المفارقة تكمن في تركيا التي، رغم مواقفها العلنية، لا تزال تمد إسرائيل بالبترول الذي يعد عصب اقتصادها.
أما خبير العلاقات الدولية علم، فيرى أن المسار الدبلوماسي معطل والكلمة للميدان الذي يميل حالياً لمصلحة إسرائيل تقنياً ويطرح التساؤل الأصعب: “عندما تتوقف الحرب بين واشنطن وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، هل ستقبل إسرائيل بوقف النار في لبنان؟ أم ستفرض شروطاً قاسية لا تملك الدولة اللبنانية الضعيفة إلا القبول بها تحت ضغط النار؟”.
يبقى الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات؛ بين مقاومة تحاول إثبات أن الأرض لا تزال تقاتل، وبين احتلال يسعى لتحويل “السيادة اللبنانية” إلى ورقة تفاوضية في بازار الصراع الكوني بين طهران وتل أبيب.