باقٍ من الزمن أيام معدودات تفصلنا عن شهر رمضان المعظم، حيث الصيام والصلاة والزكاة، وموائد الرحمن، وغيرها. ويحمل هذا الشهر في قلوب المصريين مكانة خاصة تمتد إلى مئات السنين، فهو الشهر الذي تكثر فيه “العزومات” وتمتلئ فيه المساجد بالمصلين خلال “التراويح”، ويشهد محبة وتعاون وإخاءً بين الناس جميعا.
تعددت مظاهر هذا الشهر في أكثر من جانب سواء في الطعام أو الزينة أو العادات، أو حتى العبادات، غير أن أهم علامة تميز هذا الشهر بل وتعد تراثًا مصريا خالصًا ميّز به المصريون رمضان في بلادهم دونًا عن البلدان الأخرى، حتى صار رمزًا إسلاميا خالصًا، إنه “الفانوس”.

فانوس رمضان بشكله التراثي
وتبدأ حكاية الفانوس في مصر منذ قديم الزمان، وكان مولده في عصر الدولة الفاطمية، وحسب الرواية الأرجح فإنه ظهر خلال استقبل المصريين للمعز لدين الله الفاطمي عند باب زويلة، إذ أمر الفاطميون بإضاءة المساجد به، ثم تحول بعد ذلك إلى طقس سنوي ومظهر من مظاهر الاحتفال، وأداة للزينة والفرحة والترفيه للأطفال.

في بدايته، ظهر بشكل تقليدي عُبرة عن “شمعة مثبتة على قاعدة خشبية”، إذ كان يُصنع يدويا، ومع مرور الزمن وصلت إليه الكهرباء فباتت تصدر عنه الأغاني والأضواء، وأصبحت صناعته حرفه تتميز بل وتنفرد بها مصر لعصور وعصور وظل ” الفانوس الصفيح الملون ذو النقوش والشمعة” رمزا للتراث الثقافي المصري.
الغزو الفكري يغير شكل الفانوس وأساسيات صناعته
تغيّر شكل الفانوس التقليدي وأصبحنا نشاهد أشكالًا حديثه بعيدة عن مظهره التراثي، وتصدر عنه نغمات ومهرجانات شعبية بدلا من أغنية “وحوي يا وحوي” التي تعد من تراث هذا الشهر، وبعدما كان يتم تصنيعه وتصديره للعالم الإسلامي أجمع من أحياء “الحسين وباب الشعرية والدرب الأحمر والمعز وخان الخليلي “، أصبح يتم استيراده من الصين وغيرها.
فانوس رمضان حائرا بين التراث والعولمة
بين المعز ومحافظة المنيا، أجرت “محررة القصة” جولة بين محلات الفوانيس وأماكن صُنعها، حيث نلقي الضواء على آراء بعض التجار والزبائن حول الفانوس التقليدي والحديث، وحالة السوق ونِسب الشراء والإقبال هذا العام .

لا شيء يضاهي جمال رمضان وتجهيزاته في منطقة الحسين والأزهر والمعز، لا يخلو هناك شارع ولا زقاق ولا درب من الفوانيس والزينة والشموع والمفارش والخيام الرمضانية، مكبرات الصوت أمام كل دكان وبازار، تنبعث منها أغانٍ رمضانية تبث شعورًا بالسعادة.

وبعد عبور نفق الأزهر ومن الناحية المقابلة في أول شارع المعز، يقف “عصام” قُبالة باب دكان خشبي يملأه عبق التاريخ. “عصام” ورث هذا الدكان أبًا عن جد، وعند سؤاله عن رأيه في فكرة استيراد الفوانيس والصناعة المحلية، قال بنبرة بها استنكار: “يعني نستورد الفانوس اللي هو صناعة مصرية أصيلة” ويكمل بنبرة بها فخر: “ده مصر اللي عرفت العالم يعني إيه فانوس”، ويسرد أنهم منذ زمن بعيد يعرضون الفوانيس المُصنعة في الدرب الأحمر وباب الشعرية وغيرها، وأنه مهما تطور الزمن يبقى الفانوس التقليدي أجمل رمز لـ رمضان، وما زالت نسبة الإقبال عليه عالية، وأن أكثر فئة تفضل الفوانيس المستوردة هم الأطفال، نظرًا لما يتمتع به من موسيقى وإضاءة مختلفة.

وعن الإقبال هذا العام يقول: “الدنيا مبقتش زي الأول، خصوصًا السنة دي موسم رمضان جاي مع دخلة الترم التاني وعيد الحب، وبعده عيد الأم فده مأثر بشكل واضح على إقبال الناس”، وعن الأسعار، أردف موضحًا أن لديهم تشكيلة تبدأ من سعر 50 جنيها وتصل إلى 2000 جنيه، وكل حسب الجودة والإمكانيات.
وبالسير أمامًا في شارع المعز ووسط أجواء القاهرة القديمة التي تختلط بروح التاريخ والمارة، إضافة إلى مشهد السائحين وهم يلتقطون الصور التذكارية في كل مكان، يجلس عم “حسين” صاحب السبعين عاما، الذي يمتلك محلا لبيع الفوانيس وقد ورثه عن آبائه، ويروي لـ القصة: “شارع المعز ليس مقصدًا للبيع أو الشراء فقط، بل هو أكبر متحف مفتوح في العالم، فسحة تاريخية لا مثيل لها”.

وعن رأيه في الفانوس بشكليه التراثي والحديث، يقول إن المحل يحتوي على جميع الأنواع من أول الفانوس الصفيح التراثي والمملوكي والخشبي، وصولا إلى الحديث الذي يطلق عليه جيل اليوم “فانوس إيكيا”، مستطردًا: “المستورد ليه زبونه والتقليدي ليه زبونه”، وأما عن رأيه الشخصي، فهو يفضل الصناعة المحلية ويشدد على أن الفانوس هُوية عربية إسلامية، وصناعة مصرية.
وأكمل المسن السبعيني قائلا بنبرة ودودة، “إن الفانوس الرمضاني هدية مصر للعالم الإسلامي أجمع، إذ كان يصدر من هنا لكل الدول الإسلامية”، وعن حركة البيع والشراء يضيف: “الناس مهما كانت مضغوطة ماديًا، بس لازم تحتفل بمظاهر رمضان، حتى لو بحبل زينة بسيط، حتى لو فانوس بـ 50 جنيه”، وعن حالة السوق بشكل عام، يؤكد أنه في الأعوام الأخيرة بالفعل يوجد تراجع وضعف في الإقبال على الشراء.
باحث: فانوس رمضان مصري من أول الفكرة حتى الصناعة
وعن الأصل التاريخي للفانوس الرمضاني، قال الباحث في التراث الشعبي “أحمد حمدي:، إن فانوس رمضان قطعة مصرية أصيلة من أول الفكرة حتى الصناعة، أول مكان في العالم يظهر فيه الفانوس، كانت القاهرة الفاطمية، وأول مكان تظهر فيه حرفة صناعة الفوانيس كانت مصر، فالفانوس الرمضاني فكرة عرفتها مصر وصدرتها للعالم أجمع.
وأضاف حمدي في تصريحاته لـ “القصة”: ولذلك يجيب تسجيله كأثر تراثي ثقافي مصري في اليونسكو، وأن هذه الفكرة مطروحة منذ سنوات ولكن لم تنفذ حتى الآن، ومن رأيي أن تنفيذها يحتاج إلى جهود مكثفة وتعاون متبادل بين العاملين بالآثار والثقافة، وذلك لإنتاج ملف علمي متكامل عن الفانوس وتطوره وتاريخه وتقديمه، لإثباته وإثبات هُويته المصرية.
ودعا الباحث في التراث الشعبي، من خلال “موقع القصة” وزارتي الآثار والثقافة إلى العمل الجاد لتسجيل الفانوس وضمه إلى اليونسكو، في أقرب وقت ممكن.