الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة حساسة جدًا، فيما تتصاعد التحركات العسكرية الأمريكية في شرق المتوسط والخليج، وسط توتر إقليمي متزايد يحيط بإيران.
تحركات ضخمة لحاملات طائرات، قاذفات استراتيجية وطائرات مقاتلة، تبدو أكثر من مجرد استعراض قوة، لكنها تشكل جزءًا من لعبة شد أعصاب دقيقة بين واشنطن وطهران.
في هذا السياق، استطلعت “القصة” آراء خبراء رفيعي المستوى لتحليل الموقف الراهن، وجميعهم يشيرون إلى أن الداخل الإيراني يعيش حالة توتر مستمرة، بينما الحشد الأمريكي يُدار بعناية كأداة ضغط واستعداد، وليس إعلانًا مباشرًا للحرب.
يكشف هذا التقرير السيناريوهات المحتملة، دوافع التأجيل الأمريكي، والتوازن الدقيق بين الردع العسكري والسياسة الخارجية، مع محاولة فهم متى قد تتحول التحركات الاستعراضية إلى مواجهة فعلية، وما هي التداعيات التي قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة.
الداخل الإيراني بين الغضب والسيطرة
أكد علاء السعيد، الخبير في الشأن الإيراني، أن وصف الداخل الإيراني بأنه “قابل للانفجار” يحتاج قدرا كبيرًا من التحليل الدقيق.
وأوضح أن الواقع داخل إيران ليس لحظة ثورية واحدة، ولا كتلة غضب متجانسة تنتظر الشرارة لتنفجر، بل هو تراكم طويل من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، هذه الضغوط قابلة للاشتعال في لحظات محددة، لكنها حتى الآن لم تؤدي إلى كسر شامل لبنية الدولة أو انقسام صلب داخل مراكز القوة.
وأضاف أن المجتمع الإيراني غاضب و مرهق، لكنه حساس جدًا تجاه فكرة الفوضى والانهيار، ويدرك أن سقوط السقف لا يعني بالضرورة بناء نظام أفضل، ما يجعل الغضب حاضراً لكنه مضبوط، قابل للتمدد و الانكماش أكثر من كونه انفجارا شاملاً.
وأشار “السعيد” إلى أن الشعوب غير الفارسية داخل إيران ترغب في التحرر من سيطرة حكم الملالي، إلا أن هذا الغضب لا يزال محكوماً بحذر شديد.
الضربة الخارجية والاحتجاجات
وحول إمكانية أن تشعل أي ضربة خارجية احتجاجات واسعة، أكد أن هذه الفرضية شائعة لكنها أقل دقة، مستشهداً بالتجربة الإيرانية منذ الحرب مع العراق وحتى اليوم.
وأوضح أن الضغط الخارجي والتهديد العسكري غالباً ما يعيد ترتيب الداخل الإيراني بدلاً من تفجيره، ويمنح السلطة فرصة لإعادة تعبئة المجتمع تحت شعارات السيادة والتهديد الوجودي.
وأوضح أن أي ضربة محدودة أو رمزية قد تحول الغضب الاجتماعي من غضب على الداخل إلى قلق من الخارج، وهو فرق جوهري في سلوك الشارع الإيراني، الذي قد يثور على الغلاء والفساد لكنه يتراجع عند شعوره أن الدولة ككيان مستهدف، لا سيما وأن النظام يعتمد على القوة لإخماد أي احتجاجات محتملة.
الحشود الأمريكية كأداة ضغط واستعداد
وأشار إلى أن التحركات العسكرية الأمريكية غير المسبوقة في شرق المتوسط ليست قرارًا بالحرب، بل رسالة ضغط متعددة الاتجاهات، موجهة أولاً لإيران، ثم إلى حلفاء واشنطن، وأخيرا إلى الخصوم الدوليين.
وأكد أن الولايات المتحدة تجيد استخدام الحشود العسكرية كأداة تفاوض بقدر استخدامها كأداة قتال، وغالباً ما ترفع منسوب التوتر إلى الحافة دون القفز إلى المواجهة المباشرة، لأن تكلفة أي تصعيد في الحالة الإيرانية لا تزال أعلى من مكاسبها العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية.
ساعة الصفر.. مؤشرات دقيقة
وحول سؤال “ساعة الصفر”، أكد “السعيد” أن الأمر لا يقاس بعدد القطع البحرية أو حجم التصريحات الإعلامية، بل بثلاثة مؤشرات متزامنة: انهيار قنوات الاتصال الخلفية، انتقال الخطاب الأمريكي والإسرائيلي من لغة الردع إلى لغة الحتمية، وجود مبرر صلب يمكن تسويقه دولياً وليس مجرد ذريعة إعلامية.
وقال إن حتى الآن لم تتوافر هذه العناصر معًا، ما يجعل الوضع الحالي أقرب إلى لعبة شد أعصاب محسوبة، وليس عدا تنازليا فعليًا نحو الحرب.
خلاصة موقف الداخل الإيراني والتحركات الأمريكية
وأكد أن الداخل الإيراني يعيش حالة توتر مزمن، لا انفجار وشيك، وأن أي ضربة خارجية قد تحدث لن تضمن إشعال الداخل بقدر ما قد تعيد ضبطه.
وأضاف أن الحشود الأمريكية في المتوسط هي جزء من معادلة الضغط و الردع، وليست إعلان حرب، وأن ساعة الصفر الحقيقية ستتحقق فقط عند فشل السياسة بالكامل، وهو ما لم يحدث بعد.
التوتر الأمريكي الإسرائيلي يؤجل أي ضربة لإيران
ومن جانبه، أكد اللواء محمد رشاد، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن أي تحرك أمريكي لضرب إيران مؤجل حاليًا، بسبب وجود خلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأوضح أن هذه الخلافات تتعلق بشكل أساسي بملف غزة، حيث تحدث عملية شد وجذب بين الطرفين على خلفية تشكيلات عسكرية لم توافق إسرائيل عليها بالكامل.
وأشار إلى أن عدم التوافق بين واشنطن وتل أبيب يجعل أي خطوة هجومية ضد إيران معقدة، وأن الموقف بينهما متوتر للغاية، ما يؤخر أي هجوم محتمل.
إيران في المعادلة الأمريكية: قوة كبرى لكن مضبوطة
وقال إن الولايات المتحدة، رغم العداء الإيراني المستمر، تضع لإيران دوراً محددا في المنطقة، مستندة إلى إدراكها لإمكاناتها التكنولوجية والعسكرية الكبيرة.
وأوضح أن الهدف هو إبقاء إيران كقوة كبرى ولكن ضمن نطاق يتيح للولايات المتحدة السيطرة على تحركاتها، وهو ما يعكس استراتيجية الإدارة الأمريكية لإدارة التهديد الإيراني دون إشعال المنطقة بالكامل.
السيناريو المقبل.. ضرب محدود أم ردع؟
وأكد “رشاد” أن السيناريو المرجح في المرحلة القادمة هو ضرب محدود، لا حربا شاملة، فما يحدث خلف الكواليس مختلف تمامًا عن التصريحات العلنية، وأن الرئيس الأمريكي يسعى لتجنب فتح جبهات جديدة، نظرًا لمشكلات داخلية وأوضاع توتر قائمة في المنطقة.
وأوضح أن واشنطن ترغب في توجيه رسالة ردع واضحة لإيران، لكنها لا تريد أن تتحول إلى صراع واسع النطاق قد يعقد حساباتها السياسية والعسكرية.
الحشد العسكري الأمريكي بين الاستعداد و الردع
واختتم أن الحشود الأمريكية في الخليج ليست مجرد عرض قوة، بل جزء من استراتيجية ردع متقدمة، موضحا أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى خلق توازن دقيق، يسمح للولايات المتحدة بالرد بسرعة على أي تهديد محتمل، مع تقليل المخاطر التي قد تنشأ من أي تصعيد غير محسوب، سواء من إيران أو من أي طرف آخر في المنطقة.
الحشد الأمريكي بين الردع و الضغط النفسي
وفي سياق مختلف، أكد د. محمد وازن، خبير الشؤون الإسرائيلية والدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الحشد العسكري الأمريكي في الخليج ليس مجرد استعراض قوة أو ضغط دبلوماسي، بل هو جزء من استراتيجية متقدمة للردع.
وأوضح أن واشنطن تدرك قدرة إيران على امتصاص الضغوط السياسية و الاقتصادية، لذلك تسعى من خلال نشر القوات البحرية والجوية إلى خلق توازن يسمح بالرد الفوري على أي تهديد محتمل.
وأشار وازن إلى أن هذه الاستراتيجية تنطوي على خطورة، إذ يمكن أن يتحول الردع نفسه إلى احتكاك مباشر إذا حدثت أي عملية محدودة، سواء كانت مقصودة أو نتيجة خطأ ميداني، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد يصعب احتواؤه في المنطقة.
ازدواجية الإدارة الأمريكية.. السياسة مقابل الاستراتيجية
وأوضح أن التناقض بين تصريحات الرئيس الأمريكي التي تميل إلى تجنب الحرب، وبين تحركات البنتاغون الاستراتيجية، يعكس ازدواجية داخل الإدارة الأمريكية في إدارة الأزمات.
وأكد أن ترامب يوجه رسائل سياسية تهدف إلى تهدئة الداخل والأسواق، بينما تتحرك وزارة الدفاع وفق تقديرات استخباراتية و ميدانية ترى أن التهديد الإيراني أصبح واقعاً ملموساً بعد التحركات الأخيرة للحرس الثوري.
واختتم: “أن هذا الانقسام بين السياسة والاستراتيجية يجعل أي مواجهة محتملة مسألة توقيت أكثر من كونها خيارا سياسياً جاهزا للتنفيذ، ما يضع المنطقة على حالة من الشد النفسي واليقظة المستمرة”.