المنطقة تدب فيها الفوضى، وكأن محكوم على جيلنا أن يعيش ويرى كثيرًا من الأحداث المتتابعة يتغير فيها العالم.
فالحقيقة الوحيدة في حياتنا هي الموت، ومكتوب على كل كائن حي، وكذلك تولد أمم وتنهار أخرى، فقد ولدنا مع نصر أكتوبر 1973، وسمعنا حكايات الآباء عن النكسة والبطولة والفداء والتضحية وحب الوطن، وقرأنا التاريخ وتعلمنا أن لا حال يدوم إلى الأبد.
صنع الرئيس السلام بعد حرب أعادت لنا هيبتنا على عدو متغطرس، وشاهدنا مقتل رجل الحرب والسلام وهو يحتفل بذكرى انتصاره.
عشنا ثلاثين عامًا في حكم الرئيس مبارك، في وتيرة هادئة تمر فيها الأيام بدون إنجاز حقيقي، ولا تقدم فعلي، وارتضى النظام لنفسه السكينة، والشعب الخضوع والاستسلام لقدره.
دب في عروقنا رغبة التغيير واللحاق بركب العالم المتقدم، والخروج من جلباب الخضوع، والتمرد على الاستسلام، فكانت ثورة يناير التي أسقطت نظامًا هشًا لم يستطع أن يصمد أمام عنفوان شبابه.
بثوا الرعب في قلوبنا تارة بالجماعات الإسلامية التي نشطت في عهده، ونشرت إرهابها وشرورها، وما بين جماعة الإخوان التي غيرت في بنية المجتمع، ورفعت شعارها الإسلام هو الحل، عشنا صدمات وانحرافات وكانت فزاعته أنا أو هم.
في الجهة المقابلة لحركة الأيام مرت الثورة الإسلامية في إيران، وهرب الشاه، وبدأت حرب العراق وإيران تحصد في أرواح العباد بدون أي غرض سوى الهيمنة والسيطرة، أمام عالم يتشكل من جديد في المنطقة، وحرب باردة تنهي الاتحاد السوفيتي وتقسمه إلى دويلات متناثرة، وتقسم يوغسلافيا، وتشيكوسلوفاكيا، وتظهر بلدان جديدة على الخريطة، وتختفي أمم أخرى، ويهدم سور برلين وتكون ألمانيا موحدة.
والعرب يتناحرون وتتسعر رقعة خلافاتهم، وأوروبا تتحد في كل التشكيلات وتتقدم، ولم يعد للاستعمار القديم وجود، ليبدأ استعمار جديد هو أن نظل تابعين خاضعين لتلبية غالبية احتياجاتنا منهم.
تذكرني حرب إيران ضد إسرائيل والولايات المتحدة بنكبات أصابتنا وأضعفتنا نحن العرب، فما زال الخلاف والانقسام يضرب أوصاله، قُسِّمت السودان، ويتقاتل أبناؤها سعيًا إلى تفتيت باقي أجزائها، وإفقارها.
ولم يعد اليمن السعيد سعيدًا، فما حدث بالماضي من وحدة تقتله اليوم الطائفية والنزاع بين أبنائه، ولم يخرج من براثنها، بل ما زالت دماء أبنائه تهدر هباء.
عراق العزة دخل بها صدام حسين إلى دائرة الصراع مبكرًا، في حربه مع إيران، ثم في قمعه شعبه، وانتهى بغزوه لدولة عربية شقيقة، ليتدخل شرطي العالم ويحكم عليه بالموت وللعراق بالضعف والهوان.
شاهدنا ثورات الربيع العربي في اليمن وانتهت بعلي عبد الله صالح مقتولًا، واليمن يلبس ثوب الكآبة والانقسام.
شاهدنا ليبيا القذافي يقبع على سدة حكمها عشرات السنوات، فاختصر الليبيين في شخصه، يقتل ويسرق ويسفك الدماء، ليكتب التاريخ فصل نهايته المأساوية وليطوي صفحة سوداء من حكم ليبيا، وليدخلها هي الأخرى في نزاع واقتتال لم ينتهِ، ولم يتعلم أحد من دروس الماضي.
وسوريا لم تكن بعيدة عن ثورات الربيع العربي، وعناد حاكمها أرهق شعبها وأدخله دائرة الاقتتال الداخلي وانقسام طال سنوات يدمي أبناءها، وفي النهاية تطوى صفحة الأسد لتدخل فصلًا جديدًا مع الجولاني الإرهابي الذي يعتلي سدة الحكم على أسنة رماح الغرب ليكتب لها عدم الشفاء.
فحال دولنا العربية من الضعف والهوان يثير الغثيان، حكومات مستبدة، وحكام متآمرون مأمورون ممن يحمي سلطانهم ويدافع عن عروشهم ويسرق ثرواتهم.
فالصومال زادت على ضعفها ضعفًا وانقسمت هي الأخرى.
شاهدنا الحرب الأهلية اللبنانية، وحرب حزب الله ضد العدو الصهيوني، وعشنا على أمل أن ننعم بالسلام، وتتحد القوى العربية، ينظمون صفوفهم، ويوحدون قوتهم، ويتقاسمون ثروتهم ومواردهم.
تناسوا يومًا أن الجيوش العربية هزمتهم يومًا عصابة صهيونية زرعت في أرضهم لتخربها، ونمت وتجرأت عليهم، فتمادت تضرب هنا وهناك بدون أن يوقفها أحد، ضاربة عرض الحائط بالقوانين وقرارات المنظمات الدولية والأممية طالما كان الفيتو الأمريكي راعيًا لعبثها وشرورها بالمنطقة، وبتنا نطأطئ وندخل معها في تطبيع مفروض على دولنا بدون أن تعود القدس وتحيا الدولة الفلسطينية.
بل شهدنا حرب إبادة مارستها على قطاع غزة فحرقت الأخضر واليابس فيها وما زالت تقتل بدون أن يوقفها أحد، ثم تضرب في جيرانها بل وتحتل أجزاء من سوريا، واليوم تتحالف مع الولايات المتحدة في حربها ضد إيران وأذرعها لتعيد تشكيل المنطقة كما تريدها، فهل هي نهاية المطاف؟
علينا أن نستفيق قبل فوات الأوان، قبل أن نصبح جزءًا من الماضي في كتاب التاريخ.
لقد أصبحنا مشتتين لا نعرف أين نقف؟ ومتى نتحرك؟ استسلمنا للخضوع نبكي على ماضينا المزدهر، وقت أن حكمنا العالم واتسعت رقعة دولتنا، وقت أن علمنا الدنيا العلم والحضارة، لكننا توقفنا وما زلنا في ثباتنا والعالم من حولنا ينتفض ويتغير، يستقوي القوي بعلمه وترسانته العسكرية.
العالم تحكمه القوة ولا مكان فيه للضعفاء، لكنني موقن في النهاية أن لكل تغطرس نهاية، ولم تدم زمم ديكتاتورية متغطرسة، سيحن وقت زوالها فهكذا كتب التاريخ فصول أمم سادت وانتهت إلى ذكرى وطويت صفحاتها.
لا شك أن الحرب والفوضى الدائرة الآن ستنتهي لا محالة، ولكنها ستحمل جديدًا في خريطة العالم والمنطقة، وأمل أن تكون لصالحنا وأن نتصالح مع أنفسنا لنعرف أين نقف ومتى نسير لنعود إلى ريادتنا وقوتنا ووحدتنا السالفة إن أردنا البقاء على خريطة العالم.