لا معنى للمطالبة بالحرية والديمقراطية والشفافية والانتقال السلمي للسلطة، بينما تُدار غالبية الأحزاب المصرية بعقلية استبدادية لا تختلف في جوهرها عما ننتقده في النظام الحاكم. فالأزمة لم تعد أزمة سلطة فقط، بل أزمة صدق سياسي، وأزمة معارضة فقدت حقها الأخلاقي في الاعتراض لأنها تمارس داخل جدرانها ما تدّعي رفضه خارجه.
لقد تحولت الأحزاب — إلا من رحم ربك — إلى كيانات مُختطفة.
حزب يملكه رجل أعمال، لا لأنه صاحب رؤية، بل لأنه صاحب المال.
وحزب آخر يدور في فلك شخصية عامة، تُحيط نفسها بجوقة من المصفقين، لا يملكون من السياسة إلا الطاعة، ولا من الجرأة إلا الصمت.
وفي الحالتين، يصبح الحزب ملكية خاصة، لا مؤسسة عامة.
رؤساء أحزاب باقون في مواقعهم لسنوات طويلة، بلا انتخابات حقيقية، بلا تداول، بلا منافسة. كأن المنصب قَدَرٌ أبدي، أو ميراث لا يجوز الاقتراب منه. وكل محاولة للتجديد تُقابل بالتهميش، وكل صوت مختلف يُصنَّف خطرًا، وكل طموح للصف الثاني يُوأد في مهده.
ومن أكثر المواقف غرابة — ودلالة — رفض كثير من الأحزاب استقبال عضويات جديدة، أو وضع العراقيل أمامها. والمبرر الجاهز دائمًا هو “الخوف على الحزب من اختراق يغيّر توجهه السياسي”.
لكن الحقيقة، التي يعرفها الجميع ولا يُقال عنها شيء، هي الخوف من تكوّن كتلة عضوية جديدة يمكن أن يكون لها وزن حقيقي في أي انتخابات داخلية.
من حيث الشكل، توجد لوائح، ولجان لقبول العضوية، واستمارات تحدد الشروط والمعايير.
أما من حيث الواقع، فكل هذا أصبح ديكورًا بلا قيمة.
قبول العضو لا يتوقف على مدى قرب أفكاره وتوجهاته من التيار السياسي للحزب، بل على مدى قربه الشخصي من قيادي نافذ، أو رضى رئيس، أو توصية من دائرة مغلقة. وهكذا تتحول الأحزاب من فضاءات سياسية مفتوحة إلى نوادٍ مغلقة، تُدار بالوساطة والعلاقات، لا بالأفكار والمبادئ.
الأكثر فجاجة أن هذه القيادات تمارس الدكتاتورية بمهارة عالية، وتغلفها بشعارات زائفة عن “المصلحة العامة” و”وحدة الكيان”.
قرارات تُفرض من أعلى، مواقف سياسية تُعلن دون علم القواعد، انحرافات واضحة عن الخط المُعلن للحزب نفسه، ثم يُطلب من الأعضاء الاصطفاف دون فهم أو نقاش.
وحين يُسأل السؤال البديهي: من قرر؟ ولماذا؟
يكون الرد: التشكيك، التخوين، أو اتهام السائل بأنه يخدم أجندات معادية أو يسيء لسمعة الحزب.
اللوائح مُعطلة، مثلما يُعطَّل الدستور.
الديمقراطية الداخلية مؤجلة، كما يُؤجَّل النظام الإصلاح السياسي.
إعداد الكوادر متوقف، لأن “أهل الثقة” أضمن من “أهل الكفاءة”.
ومدد الرئاسة تُمدد أو تُفرغ من معناها، تمامًا كما تُفصَّل النصوص على مقاس الحاكم.
فكيف لمعارضة تمارس الإقصاء أن تتحدث عن التعددية؟
وكيف لكيانات ترفض تداول السلطة أن تطالب به؟
وكيف لمن أغلق باب العضوية في وجه المجتمع أن يطالب بتمثيله؟
إن المعارضة التي لم تتغير منذ أكثر من عشرين عامًا، بنفس الوجوه، بنفس الأساليب، بنفس العقلية، ليست معارضة، بل جزء من المشكلة. بل إنها — في كثير من الأحيان — غطاء زائف لاستمرار الواقع القائم، لا تهديدًا له.
إذا كنا جادين في الإصلاح، فلا طريق له إلا من الداخل.
إصلاح الأحزاب طريق لإصلاح النظام.
هدم ثقافة الزعامة الفردية.
كسر احتكار القيادة.
فتح المجال الحقيقي للصف الثاني، لا بوصفه ديكورًا، بل شريكًا في القرار.
والتوقف عن إعادة إنتاج نفس النخب السياسية العجوز التي أوصلتنا إلى هذا الانسداد التاريخي.
التغيير لا يولد من رحم الاستبداد، حتى لو كان استبدادًا “معارضًا”.
علينا أن نملك الشجاعة لفتح باب مواجهة أنفسنا. النقد الذاتي باب للعلاج. الاعتراف بالأزمة أول خطوة للإصلاح..