في توقيت كانت فيه المفاوضات تسير على حافة الأمل، جاءت الضربة المفاجئة لتسقط كل رهانات التهدئة وتفتح باب التصعيد على مصراعيه، هجوم أمريكي إسرائيلي مباغت أعاد المنطقة إلى مربع الصدام، وطرح تساؤلات خطيرة حول مصير التفاوض وحدود الانفجار القادم.
نقدم في هذا التقرير خلفيات الهجوم، ودلالات توقيته، واحتمالات اتساع رقعة المواجهة في إقليم يقف على حافة الاشتعال، وتوقيتها المتوقع، وانعكاساتها الاقتصادية المتسارعة، لا سيما ما يتعلق بتهديد المضائق البحرية، وتغير مسارات الشحن العالمية، وارتفاع أسعار النفط، وتأثير ذلك على قناة السويس والاقتصاد العالمي.
من حرب الظل إلى كسر قواعد الاشتباك
وفي هذا السياق، قال الدكتور علاء السعيد، الخبير في الشأن الإيراني، لـ”القصة”، إن ما قامت به الولايات المتحدة وإسرائيل يمثل إدخالًا متعمدًا للمواجهة إلى قلب الجغرافيا الإيرانية، بهدف تقليص قدرة طهران على استخدام أوراقها الصاروخية والإقليمية كأدوات ضغط، في حين جاء الرد الإيراني ليؤكد أن طهران لا تقبل بتلقي الضربات دون ثمن، وأنها مستعدة لتوسيع نطاق الرد ليشمل مساحات كانت تُعد سابقًا خارج دائرة الاشتباك التقليدي.
صراع ممتد لا جولة عابرة
وأضاف السعيد: لا يمكن النظر إلى التطورات الحالية باعتبارها جولة منفصلة، بل كجزء من صراع أوسع على شكل الإقليم في السنوات القادمة.
وأضاف الدكتور علاء أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية تحمل رسالة مزدوجة؛ عسكرية تهدف إلى تقليص القدرات العملياتية الإيرانية، وسياسية تسعى إلى فرض شروط تفاوض جديدة عبر الضغط العسكري المباشر.
وأشار إلى أن إيران تحاول الرد بطريقة تحقق معادلة معقدة، تقوم على إثبات القدرة على الرد دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكلفها استقرارها الداخلي وتوازنها الاقتصادي.
3 مسارات محتملة للتصعيد
وقدّر الدكتور علاء أن المشهد في المدى القريب قد يتحرك ضمن أحد ثلاثة مسارات رئيسية.
الأول هو مسار الاحتواء العنيف، حيث تستمر الضربات والردود ضمن سقف مضبوط يسمح لكل طرف بإثبات حضوره دون الوصول إلى الانفجار الكامل.
أما المسار الثاني فهو التصعيد المتدرج متعدد الجبهات، وفيه تتوسع المواجهة لتشمل ساحات إقليمية أخرى، سواء عبر هجمات غير مباشرة أو استهدافات متبادلة للمصالح والقواعد العسكرية، وهو سيناريو يرفع كلفة الصراع على الجميع دون أن يصل فورًا إلى حرب شاملة.
والمسار الثالث، وهو الأخطر، مسار الخطأ في الحسابات، حيث تؤدي ضربة كبيرة أو خسائر بشرية واسعة إلى رد كاسح يخرج المواجهة عن السيطرة ويفتح الباب أمام حرب إقليمية واسعة.
إدارة المواجهة مع إسرائيل
وأضاف الخبير بالشأن الإيراني، أن المسألة لا تتوقف فقط على حجم الرد الإيراني المباشر، بل على قدرة طهران على إدارة حرب استنزاف متعددة المسارات، تجمع بين الرد المباشر المحدود والضغط عبر ساحات إقليمية مختلفة، بما يحافظ على صورة الردع من جهة، ويجنبها الانزلاق إلى مواجهة شاملة من جهة أخرى.
وأكد السعيد، بناءً على ذلك، أن المنطقة قد تشهد نمطًا من المواجهة الممتدة، يتغير شكله وأدواته لكنه لا ينتهي سريعًا.
وأوضح، أن الدول العربية تتجه نحو سياسة تقوم على حماية الداخل ورفض تحويل أراضيها إلى ساحات صراع بالوكالة، مع السعي في الوقت ذاته إلى احتواء التصعيد عبر القنوات الدبلوماسية.
وأضاف أن الدول العربية تدرك أن أي اتساع في رقعة الحرب سينعكس مباشرة على الأمن الاقتصادي والملاحة والطاقة، وهو ما يدفعها إلى تبني خطاب يدعو إلى التهدئة ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
متى تضيق الخيارات أمام طهران؟
وأضاف أن من المؤشرات الدالة على تصاعد الضغط الاستراتيجي توسيع نطاق الاستهداف إلى مساحات غير تقليدية، أو رفع سقف الخطاب السياسي إلى مستويات قصوى، أو الاعتماد المتزايد على “النصر المعنوي” في الخطاب الإعلامي مقابل تراجع القدرة الميدانية، فضلًا عن التهديد بمسارات اقتصادية وملاحية حساسة.
وأكد أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة انهيارًا وشيكًا، لكنها تعكس اقتراب النظام من مرحلة ضغط استراتيجي مرتفع.
واختتم السعيد أن المنطقة تقف اليوم على حافة مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها إعادة تشكيل قواعد القوة في الشرق الأوسط. فما يجري ليس مجرد جولة عسكرية عابرة، بل لحظة إعادة تعريف للردع، وفي مثل هذه اللحظات يكون الخطر الأكبر ليس في الضربة الأولى، بل في كيفية إدارة ما بعدها.
تقدير زمني محدود للحرب
ومن جانبه، قال اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، لـ”القصة”، إن الحرب التي بدأت اليوم من غير المرجح أن تستمر لفترة طويلة، متوقعًا ألا تتجاوز مدتها أسبوعًا إلى عشرة أيام على الأكثر، في ظل تعقيدات إقليمية وضغوط دولية متسارعة.
وأضاف فرج أن التطورات الحالية بدأت تأخذ منحنى اقتصاديًا خطيرًا، خاصة مع الحديث عن احتمالات إغلاق مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا لحركة التجارة العالمية.
وأوضح الخبير الاستراتيجي، أن كبرى شركات الشحن العالمية بدأت بالفعل في الابتعاد عن البحر الأحمر، مفضّلة تغيير مساراتها عبر الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، تفاديًا للمخاطر الأمنية المتصاعدة في المنطقة.
ارتفاع متوقع في أسعار النفط
وأشار فرج إلى أن أسعار النفط مرشحة للارتفاع الحاد خلال الفترة المقبلة، متوقعًا أن يصل سعر برميل البترول إلى حدود 100 دولار، وهو ما قد يفتح الباب أمام أزمة اقتصادية عالمية جديدة.
وأضاف فرج أن ابتعاد السفن عن قناة السويس سيؤدي إلى زيادة كبيرة في تكاليف الشحن والتأمين، الأمر الذي سينعكس بدوره على ارتفاع أسعار السلع والخدمات في مختلف أنحاء العالم.
توقعات بوقف القتال
واختتم فرج تصريحاته، بالتأكيد على أن الولايات المتحدة، في تقديره، ستتجه إلى وقف هذا القتال خلال فترة لا تتجاوز أسبوعًا إلى عشرة أيام كحد أقصى، تحت وطأة الضغوط الاقتصادية العالمية المتزايدة.