قضيت عشرين عامًا من حياتي، تحت حكم مبارك، تلك السنوات هي أغلب سنوات حياتي، لذلك يصّح القول أنني من أبناء بابا مبارك وماما سوزان، لكنني معهم آمنت أن عقوق هكذا والدين فضيلة، وذكر مساوئهم أكبر الفضائل، وإطلاق اللعنات على ما فعلوه بنا خير الأعمال وأحبها، لكن أن نحكي للأجيال الجديدة التي لم تعرف منهم سوى أسماء في حصّة التاريخ، لهو واجب لا يجب أن ننساه مهما سحقتنا ضغوط الحياة.
خمس سنوات مرّت على رحيل الديكتاتور المخلوع حسني مبارك، بعد عشر سنوات على اندلاع ثورة يناير، وخلعه من رأس السلطة، التي رحل عنها آمنًا، وكذلك عن الحياة.
ولأننّا شعب بذاكرة مثقوبة، يمر حاليًا بأحلك لحظات وجوده على هذه الأرض، وحيث يوجد اليأس، تولد النوستالجيا لمجتمع يتوهم أنّ الماضي كان خيرًا مما آلت إليه الأمور الآن، أو أن ثورة يناير هي من غرس بأقدامنا في وحل الواقع، دون أن نبذل من الجهد الكافي لندرك أن بؤس الحاضر، ما هو إلّا ثمرّة الماضي الذي غرس في البلاد والعباد بذور البؤس.
ولأنّ الذاكرة اليقظة خير علاج من أمراض النوستالجيا التي كتب على شعبنا أن يعيشها، علينا أن نحيي ذكرى وفاة المجرم المؤسس صاحب أطول تركة فساد في تاريخ مصر الحديث، نستذكر معًا كيف أسقطنا إلى قاع الهاوية، وكيف جعل من شعبنا العظيم حفنة من البؤساء، ردييء الغذاء، التعليم والرعاية الصحيّة، أو في أحسن الأحوال مغتربين عن أوطانهم يتجرعون تراب صحراء الخليج من أجل أن يوفروا لأبناءهم مقومّات الحياة الأساسية.
حتّى لا ننسى جرائم القاتل الأعظم لأحلامنا ومستقبلنا، لأنّها جرائم لا ولن تسقط لا بالموت ولا بالتقادم.
ديكتاتورية أمنية
في العام 2009، وقبل أقل من عامين على خلعه، نشرت صحيفةParade” “، قائمة العشرين دكتاتورية الأسوأ في العالم، وحلت مصر وسوريا المرتبة العشرين، والسابعة عشر التي كانت من نصيب بشار الأسد، فالرئيس المخلوع الذي تولى منصبه في أكتوبر 1981، بعد أيام قليلة من مقتل السادات، في احتفالات نصر أكتوبر، أمضى في هذا المنصب 29 عاماً وأربعة أشهر، ليكون أطول رؤساء البلاد حكماً لها، بدأه الراحل بملاحقة الجماعات الإسلامية، التي أصبح بينها وبين الدولة ثأراَ لا يهدأ بعد قتل السادات، ولم يمضي عقداً حتى التفت إلى الشعب المصري الذي لا زال يقتات على ما تبقى من ثمار دولة الرفاه الناصرية، التي انقض عليها السادات بقرارت الإنفتاح الاقتصادي 1974، حتى جاء مبارك برعاية صندوق النقد الدولي في مستهل التسعينات، لتبدأ مرحلة جديدة في حياة المصريين، التف فيها الرئيس برعاية المؤسسات الدولية على الطبقة الوسطى والعمال، بعد أن تخلص من معظم أبناء الحركات الإسلامية في المعتقلات، وبعد أن قضى السادات على كوادر اليسار.
جاءت قرارته الاقتصادية العنيفة، التي بدأت بتعويم أول للجنيه، ثمّ رفع الدعم السلعي، بعد إعادة انتخابه في عام 1987، ثمّ عاود الكرّة عام 1993، بعد أن نصّب نفسه حاكماً أبدياً للبلاد.
كان لموقعة الأمن المركزي الفضل في ظهور الميول الديكتاتورية المبكرة للرئيس الجديد آنذاك، والمفارقة أنّ ذكرى وفاته تصادف الذكرى الأربعين لتلك الحادثة، التي بدأت في فبراير من العام 1986، إذ انطلق عشرات الآف من مجندي الأمن المركزي في العديد من المحافظات في تظاهرات احتجاجية بعدما تسربت إليهم أخبار تتحدث عن مد فترة التجنيد الإجباري من ثلاث سنوات لتصبح خمس سنوات، مع تخفيض في الرواتب التي بالكاد تكفيهم.
خرج المجندون يخربون كل ما طالته أيديهم، واستخدم الجيش والشرطة العنف في قمع هذه التظاهرات، وسقط عشرات الشهداء، من أبناء الطبقات المهمشة، لكن بعد ثورة يناير، خرج وزير الداخلية السابق حينها اللواء أحمد رشدي عن صمته، وتحدث أنّ هذه العملية دبرت لأجل إقالته، بسبب مكافحته لعمليات التهريب وتجار المخدرات، التي تفشّت خلال حقبة الثمانينات، مثل وباء لا علاج له، وكان الرجل يقاومها بقوّة، حتّى لقبه المصريون بـ”قاهر المخدرات”، لكنه استقال بعد تلك الأحداث، وخرج في حوار صحفي مع جريدة الوفد في أغسطس 2011 ليروي وقائع لم يكن يعرفها أحد.
مذابح القطاع العام
منذ انطلاق برنامج الخصخصة في أواخر التسعينات، وحتى العام 2009، بلغ إجمالي الشركات المبيعة في القطاع العام، 382 شركة بإجمالي مبالغ وصلت إلى 57.353 مليار جنيه، بحسب تقرير للمركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أمّا حكومة أحمد نظيف والتي أسقطتها ثورة يناير، فقد بلغ عدد صفقات بيع القطاع العام فيها في أخر عامين لحكم مبارك 172 صفقة، وبحسب كتاب”الانهيار الاقتصادي في عصر مبارك: حقائق الفساد والبطالة والغلاء والركود والديون”، للباحث الاقتصادي ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام السابق، الدكتور أحمد السيد النجار، فإنّ عصر مبارك كان الأكثر فساداً وغلاءاً وإذلالاً للمواطنين منذ ثورة يوليو 1952، ويوضح النجار أنّ سنوات الخصخصة، التي شُرد فيها مئات الآف من العمال، لم يجد فيها النظام بديلاً لتلك العائلات، التي تمّ هدمها، بل إنّ الأسوأ من ذلك كان خلق النظام لطبقة طفيلية، وانحدار جزء كبير من مصاف الطبقة الوسطى نحو الفقر بعد تعرضها، وهي الأكثر تعليما ومحافظة، للسحق الاقتصادي والطبقي نتيجة سوء توزيع الدخل.
كان عاطف عبيد رئيس الوزراء السابق، هو مهندس الخصخصة بلا منازع، فهو أول من بدأ مجزرة القطاع العام بلا هوادة، وبعد ثورة يناير، بدأ المحامون في رفع قضايا ضد الدولة مطالبين بإعادة شركات القطاع العام، وبشكل خاص شركة المراجل البخارية، ولم يتم حتى اليوم إعادة أي جزء من الفردوس المفقود، لم يتوقف عبيد عند هوسه ببيع شركات القطاع العام، بل إنّ توجهاته النيوليبرالية، والتزامه ببرنامج التكيف والتثبيت الهيكلي الذي بدأه صندوق النقد الدولي في مصر مع بداية عام 1995، دفع عبيد باتخاذ قرار تعويم العملة المحلية إلى جانب الدولار، وعليه فقد الجنيه 30% من قيمته بحلول عام 2003، لتبدأ موجة عنيفة من الغلاء وصلت نسبة التضخم على أثرها 300%، ورفع الدعم عن بعض السلع التموينية، وكذلك رفع أسعار الطاقة بنسبة وصلت 50%، إلى جانب إقرار عبيد في عام 2004 فقط، ببيع 161 مصنع وشركة بمبلغ 23 مليار جنيها 4.1 مليار دولار فقط، بدلاً من 1300 مليار جنيه، أي بنحو 1.8 % من قيمتها الحقيقية، بحسب كلام النجّار في كتابه.
العشرية السوداء التي عصفت بمبارك وولده
يبدو أنّ العشر سنوات الأخيرة في حكم مبارك كانت الفارق بينه وبين المصريين، مع الذكرى الخامسة لوفاته، تحّل الذكرى الرابعة والعشرين، لقطار الصعيد المحترق أثناء توجهه من القاهرة إلى الصعيد ليلة عيد الأضحى، والذي احترق بالكامل محتضناً أكثر من ألف مواطن من أبناء الجنوب، لتتحول مصر كلها إلى سُرادق عزاء، لم تشارك فيه الدولة.
وفي نوفمبر2003، سقط الرئيس مغشياً عليه أثناء البث المباشر وهو يلقي كلمته في البرلمان، وعليه انقطع البث ، وسادت حالة من القلق بدا على أثرها أنّ نجم الرئيس بدأ في الخفوت، حتى باغته ترزي القانون المحترف ورئيس مجلس الشعب لأكثر من عشرين عاماً” فتحي سرور”، بالتعديلات الدستورية على المادة 76، 189، من الدستور وكذلك إضافة مادة 192مكرر، والتي جرى الإستفتاء عليها، مايو 2005، تبعها تعديل آخر في مارس 2006.
ما فتح المجال لـ”التوريث”، على غرار حافظ الأسد في سوريا، إذ تأكد الظن للقوى السياسية، ولعامة الشعب، أنّ الرئيس يريد ابنه جمال خلفاً له على غرار بشار سوريّا، وعليه فقد نظّمت القوى المدنية نفسها في وقفة احتجاجية أمام نقابة الصحفيين، اعتراضاً على التوريث، فيما بدأت أحداث السحل والضرب والإعتداء على الصحفيات وتقطيع ملابسهّن، في إشارة لتكشير الرئيس وابنه عن أنيابهما لمن يعترض على التعديلات.
لم تمض سوى أشهر قليلة حتى اندلعت كارثة حريق مسرح بني سويف، في 2005، والتي راح ضحيتها أكثر من 50 فناناً مسرحياً، بعد أن نشب الحريق في صالة العرض المسرحي بالكامل، وكان يوماً أسوداً على المسرح المصري، كما سماه المثقفون، الذين تقدّم وزيرهم باستقالة إلى الرئيس، إلّا أنّ الأخير رفضها، واعتبر أنّ الحادث لم يكن سوى قدراً، ولم يعاقب عليه أحد حتى الآن، لأنّ الإهمال والترهل، والإستهانة بأرواح المصريين، كانا ديدن الدولة في السنوات الأخيرة.
ثمّ جاءت كارثة عبارة السلام 98، وبينما كان الرئيس يشاهد مباراة كاس الأمم الإفريقية، في فبراير من العام 2006، إذ جاءه نبأ غرق العبارة التي حملت فوق متنها قرابة 1500 مواطن من الكادحين والمغتربين، وبحسب ما قالت الصحف آنذاك فقد غرق أكثر من 1185 مواطن، وهناك مصادر تتحدث عن 1400 غريق، ولم يخرج الرئيس ولا أي مسؤل إلّا بعد الواقعة بيومين، ولم تلبث الحادثة أن تهدأ حتى كان الرئيس يسخر منها في حواراته الصحفية، وبدأت القضية في الخفوت، حتى حصل رجل الأعمال ممدوح إسماعيل وولده، المتهمان الرئيسيان في القضية على البراءة عام 2008، وهو ما ضاعف الغضب الشعبيّ ضد مبارك وخطته للتوريث، وحالة الطوارئ التي فرضها ثلاثون عاماً.
الدويقة وخالد سعيد
صباح السبت السادس سبتمبر 2008، استفاق سكان حي الدويقة، على سقوط صخرة كبيرة فوق عشرات المنازل العشوائية، التي لم يعرفها المصريون سوى في عصر مبارك، وذلك أثر أعمال الحفر والتجديد، التي كان يجريها رجال أعمال من الحزب الوطني، لتودي تلك الصخرة بحياة أكثر من 119شخصاً، وهدم أكثر من 165 منزلاً، بينما أصيب 55 آخرون، هذا غير عدد المفقودين الذين عثر عليهم أشلاءاً ولم يتعرف ذويهم عليهم إلّا بعد إجراء تحاليل الحمض النووي.
أمّا أكتوبر 2009، جاءت حادثة قطار جديدة، فلم يمضى عام في حكمه إلّا وهو محمل إمّا بحرائق قطارات أو غرق عبارات، إذ اصطدم قطاران على طريق القاهرة / أسيوط، بعد أن توقف الأول جراء عطل مفاجيء فجاء القطار الثاني ليصدمه من الخلف، لتنفصل أربع عربات وتنقلب وتودي بحياة أكثر من 30 شخصاً بالإضافة إلى عشرات المصابين، وعلى أثرها فقد استقال وزير النقل محمد لطفي منصور، وكانت أول حادثة يقيل فيها الرئيس مسؤلاً.
جاء عام 2010، كآخر مسمار دُقّ في نعش مبارك وحكم ولده، بعد أن انتشرت أخبار قصة الشاب السكندريّ”خالد سعيد”، الذي قتله اثنين من أمناء الشرطة، ولفقا له تهمة تعاطي المخدرات، ويبدو أن صورة الشاب بعد التعذيب استفزّت مشاعر المصريين، كما لم تفعل كل المصائب والجثث والأشلاء التي خلّفها حكم مبارك، ليجتمعوا خلف جثة الشاب المقتول في يونيو 2010، ويعلنوا تضامنهم مع قضيته.
أفصح المصريون آنذاك وللمرّة الأولى عن عنف الداخلية في التعامل معهم علناً، ومع شروق العام الجديد، استقبل الأقباط في مصر عامهم بتفجير كنيسة القديسين بنطقة سيدي بشر في الإسكندرية، والذي راح ضحيته قرابة الثلاثين قتيلاً وعشرات المصابين، وبعد اندلاع ثورة يناير، بدأت أصابع الإتهام في التوجه إلى حبيب العادلي وزير الداخلية السابق، والذي لم يدان على كل جرائمه في حق المصريين، ولم يمضي سوى أسبوع واحد من العام الجديد(2011)، حتى فارق الشاب سيد بلال الحياة، أثر تعذيبه في السجن على أيدي أحد أمناء الشرطة، والذي تمّت تبرئته مؤخراً، مع قتلة خالد سعيد، بعد أنّ أدينوا عقب أحداث يناير 2011.
ومع بزوغ فجر الخامس والعشرين من يناير 2011، قررّ المصريون الإحتفال بعيد الشرطة على طريقتهم، فنزلوا ضد التوريث وقانون الطوارئ، وعنف الداخليّة، وبحلول الحادي عشر من شباط / فبراير، كان مبارك قد تنحى عن الحكم، ويبدو أنّ بين فبراير ومبارك علاقة خاصة، ففيه وقعت العديد من الكوارث في حق المصريين، وفيه تنحى عن عرش اعتلاه ثلاثين عاماً من القهر، وفيه رحل عن عالمنا دون محاكمة.