شهد العالم خلال الساعات الماضية عددًا كبيرًا من الأحداث والقرارات المفاجئة إثر الحرب التي شنتها أمريكا على إيران، وبالتالي قامت إيران بدورها بالرد على الصواريخ الأمريكية.
واستهدفت إيران القواعد العسكرية الأمريكية المتواجدة في عدد من الدول العربية مثل قطر والكويت والإمارات، وأسفرت هذه الضربات عن خسائر فادحة.
وصرحت مصادر دبلوماسية واستراتيجية لـ”القصة”، عن دلالات الضربة الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مؤكدين أن الضربات تجاوزت البعد العسكري المباشر إلى أبعاد سياسية وإقليمية وقانونية أوسع، وأن هناك أهداف للقضاء على البرنامج النووي، ومنظومة الصواريخ الإيرانية ووقف الدعم اللوجستي.
وفي هذا السياق، صرّح السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الضربات الأخيرة ضد إيران تثير جملة من الأسئلة الإستراتيجية التي تتجاوز بُعدها العسكري المباشر إلى أبعاد سياسية وإقليمية وقانونية أوسع.
وقال إن، السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بمدى دقة الأهداف أو حجم الخسائر، بل بطبيعة الغاية الكامنة وراء العملية.
وذكر أن القراءة الواقعية لموازين القوى تشير إلى أن كلفة تغيير النظام في دولة بحجم إيران، بتعقيداتها المؤسسية وتماسك بنيتها الأمنية وامتدادها الإقليمي، تفوق بكثير أي مكاسب محتملة.
وهو ما يجعل سيناريو “تعديل السلوك” القسري أكثر ترجيحًا من مشروع إسقاط شامل للنظام، فغالبًا ما تسعى مثل هذه العمليات إلى فرض كلفة استراتيجية، وإعادة ضبط معادلات الردع، وإبطاء مسارات معينة دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن التحكم في تداعياتها.
البرنامج النووي
وأضاف أنه على مستوى البرنامج النووي، فإن أي ضربة عسكرية – مهما بلغت دقتها – لا تستطيع محو المعرفة التقنية أو البنية البشرية التي تراكمت عبر سنوات.
كما ذكر أن المنشآت قد تتعرض لأضرار جسيمة، وقد يتباطأ مسار التخصيب أو تتعطل قدرات إنتاجية لفترة زمنية، لكن الحديث عن شلل كامل ودائم يظل أقرب إلى الطموح السياسي منه إلى الواقع العملياتي.
برنامج الصواريخ البالستية
وأوضح حجازي، أن الأمر ذاته ينطبق على برنامج الصواريخ الباليستية، الذي يتميز بتوزع جغرافي واسع وبنية تحتية محصنة ومنصات متحركة تقلل من فاعلية الضربات التقليدية.
وأكمل قائلًا: أن أقصى ما يمكن تحقيقه هو إرجاء زمني للقدرات، لا إلغاؤها، ما لم تترافق العمليات العسكرية مع مسار سياسي وأمني طويل الأمد يعيد صياغة البيئة الإستراتيجية المحيطة، وذكر سيادته أن الانعكاسات الإقليمية بدورها لا تقل تعقيدًا.
نفوذ إيران
وقال إن، نفوذ إيران في الإقليم لا تقوم فقط على قدراتها الوطنية، بل على شبكة من التحالفات والأذرع غير المتماثلة، تشمل أطرافًا مثل حزب الله والحوثيون، إضافة إلى فصائل أخرى في ساحات متعددة.
كما أن هذه الشبكات تمتلك درجة من الاستقلال العملياتي، ما يمنح طهران قدرة على المناورة غير المباشرة، ومن ثم، فإن الضربات قد تدفع إلى تصعيد بالوكالة، يهدف إلى إعادة التوازن ورفع كلفة الاستهداف، أو إلى احتواء محسوب لتجنب توسع المواجهة.
وأضاف أن النفوذ قد يهتز تكتيكيًا، لكنه لا ينهار بسهولة لأنه متجذر في معادلات سياسية واجتماعية معقدة داخل تلك الساحات.
البعد الاقتصادي ومضيق هرمز
وتابع أن البعد الاقتصادي و أسواق الطاقة بالذات هي الأكثر حساسية لأي تصعيد ممتد، حيث يشكل مضيق هرمز شريانًا حيويًا يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وأي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس فورًا على الأسعار وكلفة التأمين وسلاسل الإمداد.
واستكمل مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الإغلاق الكامل للمضيق يمثل خيارًا عالي المخاطر، لأنه يستجلب تدخلًا دوليًا مباشرًا ويضر أيضًا بالمصالح الاقتصادية الإيرانية ذاتها، والتي تعبرة صادراتها هي ذاتها.
لذلك قد يكون التلويح بالتصعيد أداة ضغط أكثر من كونه خيارًا استراتيجيًا مستدامًا، مع بقاء الأسواق رهينة لحسابات المخاطر الجيوسياسية.
المرحلة الراهنة والحقائق الجغرافية والسياسية
وفي النهاية، أكد السفير حجازي، لا تبدو المرحلة الراهنة مرحلة حسم عسكري بقدر ما هي محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك وفرض توازن ردع جديد، وأن الضربات قد تؤخر برامج وتعيد ترتيب حسابات، لكنها لا تلغي حقائق الجغرافيا السياسية ولا تنهي شبكات النفوذ المتداخلة.
وأكد أن التحدي الأكبر يكمن في منع التحول من ردع محدود إلى حرب استنزاف مفتوحة؛ لأن مثل هذا المسار لن يعيد تشكيل سلوك طرف واحد فحسب، بل سيعيد رسم معادلات الاستقرار في الإقليم بأسره، إذًا الضربة – على الأرجح – تستهدف تعديل السلوك لا تغيير النظام.
كما أن التأثير على البرنامج النووي والصاروخي الإيراني مرجح أن يكون مؤقتًا لا حاسمًا، وأن النفوذ الإقليمي لإيران قد يتعرض لاهتزاز تكتيكي دون انهيار بنيوي لتجذرة في المجتمعات الشيعية في دول المنطقة، بينما ستكون أسواق الطاقة من أول المتأثرين في حال التصعيد الممتد.
دلالات الضربة الأمريكية
وعلى الجانب الآخر، تم التواصل مع اللواء عمرو الزيات، الخبير الأمني، بشأن الأحداث ذاتها، وصرّح “الزيات” أن للحرب بين إيران وأمريكا ثلاثة أهداف، وهي: القضاء على البرنامج النووي، القضاء على منظومة الصواريخ الإيرانية، وقف الدعم اللوجيستي التي تقدمه إيران لأزرعها مثل : الحوثيين، حزب الله في اليمن، والحشد الشعبي العراقي.
وأضاف، أن كل ذلك يعد فقط ظاهريًا وفقًا لما أعلنته أمريكا في مفاوضاتها الرسمية مع إيران، ولكن السبب الرئيسي الذي لم يتم إعلانه، هو أن أمريكا في صراع مع الصين وتهدف إلى بتر أصابع الصين في الطاقة؛ لأنها تعتمد عليه بشكل أساسي كونها دولة صناعية.
ليصبح الهدف هو السيطرة على منابع الطاقة؛ كي تؤثر على الصناعة في الصين، وبالتالي تحجم اقتصادها الذي يتنامي بصورة كبيرة.
مدى نجاح الضربات على البرنامج النووي الإيراني
وفي هذا السياق، قال الزيات، إن أمريكا أعلنت سابقًا قضائها على البرنامج النووي، وفي الوقت ذاته يتفاوضون معه، وهذا يدل على أن الإعلام الأمريكي كاذب، وينشر معلومات غير صحيحة.
وأضاف أنهم يريدون السيطرة على اليورانيوم المخصب؛ لأن تخصيبه يستغرق سنوات، ولم يستخدم في مجرد قنبلة نووية فقط، بل يستخدم كوقود نووي للمفاعلات التي تنتج الطاقة السلمية للكهرباء وغيرها.
وأكمل قائلًا: أن نسبته بدأت تتناقص من العالم، مقابل النووي، وأن إيران مازالت محتفظة بنسبة من اليورانيوم المخصب تصل إلى 60 %.
مسارات التفاوض والأهداف غير المعلنة
وقال الخبير الأمني، إن مسارات التفاوض التي تمت يوم الخميس، كانت تفاوضًا تعجيزيًا مقصود فشله؛ لأنهم كانوا يخططون لضرب إيران، وتغيير النظام السياسي القائم به، وتحويله لإسقاط نظام المرشد الإيراني، وتغيير نظام الحكم، ويعد ذلك ضمن الأهداف غير المعلنة رسميًا.
واستكمل أنهم يريدن تغيير النظام الإسلامي السياسي بصفة عامة، الذي كان نظامًا وظيفيًا انتهى دوره، ويريدون بدء نظام يوالي طريقتهم الخاصة.
وذكر أننا بالفعل أمام حرب شاملة وليست عملية جراحية كبرى، والدليل على ذلك أن إسرائيل استطاعت أن تفرض على دول الخليج دخولها معها في الحرب؛ نظرًا لما قالته إيران بضرب القواعد العسكرية المتواجدة في دول الخليج.
وأضاف أن ذلك يعد انتهاكًا لسيادتها، وبالتالي ستشارك معها في الحرب ضد إيران، وفي الوقت ذاته ستقوم كل من الصين وروسيا بتدعيم إيران لوجستيًا؛ ويأتي ذلك ضمن مصلحة الصين وروسيا في دخول أمريكا الحرب.
إغلاق باب المندب
وقال إن، إيران ستقوم بالفعل بتحريك أزرعها في المنطقة، والدليل على ذلك أن الحوثيين، أعلنوا إغلاق باب المندب، وسيقوموا بتأمين البحر الأحمر، كما ستشارك حزب الله في الحرب.
واستكمل قائلًا: المرشد الأعلى في إيران اتخذ إجراءات تتناسب مع هذه المواقف، وبالتالي قام بتعيين “علي لارجاني” نائبًا له في حالة وفاته، وقاموا بتعيين بدائل لكل من وزير الدفاع، وقائد الحرس الثوري، بحيث لا يكون هناك فراغ إداري أو قيادي أثناء الحرب.
الفرق بين الضربات النهارية والليلة
وتابع أن هناك شخصيات تم تعيينها كبدائل لهم، لذلك كون الضربات الصاروخية ليليًا يكون المقصود بها أهداف عسكرية أو منشآت، أمّا الضربات النهارية يكون المقصود بها شخصيات.
ولكن تداعيات الحرب كارثية على المنطقة وعلى العالم بأكمله إذا استمرت بدون تدخل؛ لأن كل ذلك يعد انتهاك للقانون الدولي وبالتالي سينهار اقتصاد العالم بأكمله.
وقف الطيران المدني وتذبذب أسعار البترول
ونتيجة لذلك أعلنت بعض المطارات تعليق ووقف الطيران المدني، وبالتالي ستبدأ حركة السفر والنقل على مستوى العالم في تحويل المسار، ومن المتوقع أن سعر البترول سيقفز إلى أسعار غير مسبوقة.
واختتم اللواء عمرو الزيات، أن هذه الحرب ستكون بداية لعالم جديد، وظهور أقطار سياسية جديدة في العالم، بعد انتهاء هذه الحرب، واعتقد البداية ستظهر من الآن، وظهور القوى العظمى التي ستظهر خلال الأيام المقبلة.