في وقت تشتعل فيه الجبهات وتتسارع دقات طبول الحرب الشاملة، جاءت “المبادرة الخماسية” من قلب إسلام آباد كقنبلة دبلوماسية فجرت تساؤلات صعبة في عواصم القرار.
ولم تكن المبادرة التي أعلنتها الصين وباكستان في 31 مارس 2026، مجرد بنود لوقف إطلاق النار، بل شكلت “مخرج طوارئ” لجميع الأطراف، باستثناء طرف واحد يرفض النزول من فوق الشجرة.
إسرائيل تعود لحجمها الطبيعي والوسيط “صاحب المصداقية”
يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد، أن هذه النقاط الخمس تشكل نقطة انطلاق وأرضية مشتركة لإعادة بناء الثقة.
ويؤكد فؤاد لـ”القصة” أن الطرف الصيني يمتلك مصداقية كبرى بعد نجاح وساطته التاريخية بين الرياض وطهران، خاصة وأنه المتضرر الأكبر من استنزاف طرق التجارة.
ويضيف فؤاد بعدًا استراتيجيًا غائبًا، وهو الدور الباكستاني “الجوكر”، حيث تمتلك إسلام آباد قنوات اتصال تاريخية مع واشنطن، وتواجدًا عسكريًا في الخليج تعزز بمعاهدة الدفاع المشترك مع السعودية في سبتمبر 2025.
ويرى فؤاد أن المشهد الميداني يضغط بقوة، إذ تلقى الجانب الإسرائيلي ضربات مهولة وموجعة، وسط فشل واضح لمنظومات الدفاع الجوي ونفاد المخزون، مؤكدًا أن إسرائيل تعود الآن لحجمها الطبيعي بعيدًا عن أوهام التوسع أو فرض الهيمنة، خاصة وأن القواعد الأمريكية في المنطقة لم توفر الحماية الكاملة وأصبحت هي نفسها “أهدافًا” سهلة.
إسرائيل هي “العقبة” وواشنطن استنزفت ذخائرها
من جانبها، تصف الدكتورة نهى بكر، الخبيرة في الشأن الإسرائيلي، المبادرة بأنها مخرج آمن في توقيت حرج، مشيرة إلى أن إدارة ترامب تبحث بجدية عن هذا المخرج بعد شهر من القتال الذي استنزف الذخائر وأشعل أسعار النفط، ما يجعل المبادرة غطاءً سياسيًا يتيح لواشنطن الادعاء بالنجاح في تأمين الملاحة بمضيق هرمز.
و عن الموقف الإيراني، فترى “بكر” أن طهران تبحث عن وقف للنزيف بعد ضربات طالت بنيتها التحتية، وتمنحها المبادرة فرصة لحفظ ماء وجهها تحت بند احترام السيادة.
وأشارت “بكر” إلى الجرح الحقيقي، مؤكدة أن إسرائيل هي العقبة الرئيسية، فهي ترفض تجميد الصراع وتصر على تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل، ما يضع تل أبيب في عزلة دبلوماسية ويظهرها كطرف يعطل مصالح العالم الاقتصادية.
كواليس المصالح
ويشير الخبيران إلى أن “شيطان التفاصيل” لا يغيب عن المشهد، فالمبادرة تفتح الباب لتسهيل الأرصدة الإيرانية المجمدة والتعامل بالعملة الصينية، وهو ما يخدم اقتصاد بكين مباشرة.
وفي المقابل، يبدو الجانب الروسي ليس بعيدًا عن المشهد، حيث يستفيد من أسعار البترول المتقلبة ويصدر بشكل مباشر للهند، وسط اتصالات مباشرة بين البيت الأبيض والكرملين.
وبين “العصف الذهني” في إسلام آباد و”التعنت” في تل أبيب، يبقى السؤال: هل تنجح الضغوط الدولية في تقليص اللهب وإدخال المنطقة ضمن قواعد اشتباك جديدة تحمي المدنيين ومنشآت النفط؟ أم أن إصرار إسرائيل على مواصلة الحرب سيحرق المبادرة وما تبقى من استقرار؟