شهدت الدولة السورية منذ نهاية عام 2024 تحولات جذرية لم تكن مجرد تغيير في شخوص السلطة، بل بدا الأمر وكأن عام 2024 كان “القفل” الذي أُغلق معه مؤقتا ملف سوريا العربية بنكهتها القومية الممانعة المعروفة، ليُفتح بدلا منه ملف متعدد الجذور والانتماءات، يغيب عنه الرابط العربي ويحل محله ارتكاز كامل لـ”الأجندات العابرة للحدود”.
مع صعود هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة” إلى سدة الحكم وتشكيلها سلطة أمر واقع بدمشق، تغير مجرى المياه ولونها في المنطقة بأسرها، ولم يتوقف هذا “الزلزال السياسي” عند حدود الداخل السوري، بل امتدت ارتداداته لتضرب كامل المحيط الإقليمي.
إننا هنا لا نحلل جغرافيا الداخل السوري المنقسمة، بل نتحدث عن “الامتدادات التضاريسية السياسية” لكامل الشرق الأوسط، فسوريا التي كانت لعقود ركيزة أساسية ومخزن الاستراتيجية لمحور المقاومة، والتي كانت “الحضن” الذي يحتمي به ومعها فصائل المقاومة الرافضة لكافة مسارات التطبيع، تحولت اليوم إلى “رهينة” في يد منظومة غربية تهدف لتنفيذ أجندات “صهيو-أمريكية” بامتياز، تهدف لتصفية الحسابات وتفعيل سيناريوهات بعينها في المنطقة.
“الاصطياد” في قلب الفعل العملياتي
يتجلى هذا التحول الدراماتيكي بوضوح عند فحص ملف الحرب “الإسرائيلية-الأمريكية” ضد إيران، نجد أن السلطة المقيمة في دمشق اليوم تتخذ تموضعا يتماشى كليا مع المعسكر الغربي المعتدي، ولم يقف الأمر عند حدود “الحياد السلبي” أو إصدار تصريحات التأييد، بل انتقل إلى مرحلة “الفعل العملياتي” على الأرض، فمع الساعات الأولى لرد الفعل الإيراني، رصدت التقارير انطلاق وسائط الدفاع الجوي من الأراضي السورية ليس لصد عدوان إسرائيلي، بل لـ”اصطياد” الصواريخ والمسيرات الإيرانية المتجهة نحو العمق الإسرائيلي.
هذا المشهد الذي حاول البعض تكذيبه في البداية، بحجة أن العدو الإسرائيلي دمر منظومات الدفاع الجوي السوري فور سقوط حكم بشار الأسد، تأكدت صحته لاحقا عبر اعترافات صريحة من عناصر داخل سلطة دمشق، أكدوا فيها أن القوات الأمريكية المتواجدة في المحافظات السورية، قامت بتفعيل منظومات دفاع جوي أمريكية متطورة بالتنسيق المباشر مع “أحمد الشرع”، هذا التنسيق يقع تحت عنوان عريض وخطير، وهو تحويل سوريا من دور “الممانعة” التاريخي إلى دور “الملاصقة” العضوي للمشروع الصهيوني.
وعلى الصعيد العسكري الميداني، نرى آلاف العناصر المسلحة التي أعيد تدويرها تحت مسمى “الجيش السوري الجديد”، وهي في حقيقتها بقايا تنظيمات وفيالق وجيش حر بأسماء لا حصر لها، تتواجد اليوم بكثافة على الحدود السورية اللبنانية والسورية العراقية.
“الكماشة” والقوات الوكيلة
هذه العناصر، التي تحمل جنسيات متعددة وتتحرك بـ”كتيب تعليمات” صيغ في واشنطن، تنتظر فقط “ساعة الصفر” للانقضاض عبر الحدود، الهدف ليس حماية السيادة، بل العمل كـ”قوات وكيلة” لمواجهة حزب الله في الجنوب اللبناني، وقوات الحشد الشعبي في العراق، بهدف كسر حلقة الوصل في “محور المقاومة”.
وتشير المعلومات المعلنة إلى اتصالات مكثفة قام بها “أحمد الشرع” مع شخصيات سياسية لبنانية، أكد فيها صراحة على ضرورة “نزع سلاح المقاومة”، مبديا استعدادا كاملا للتعاون لتحقيق الأمر، هذا الربط الميداني يؤكد أن الحشود على الحدود اللبنانية ليست دفاعية، بل هي جزء من مخطط “كماشة” يشارك فيه “انغماسيون” متواجدون بالفعل داخل العمق اللبناني، ينتظرون لحظة التحرك المتزامن مع العبور الكبير للحدود.
ولا يتوقف طموح سلطة الأمر الواقع بدمشق عند إضعاف الحزب أو القضاء عليه، بل يمتد للسيطرة التامة على أجزاء من الأراضي اللبنانية وضمها لنفوذ “الشرع” في إطار عملية كبرى لإعادة رسم خرائط المنطقة.
جيش الظل والغطاء “سجناء”
أما على الجبهة العراقية، فالوضع لا يقل خطورة، حيث يتموضع آلاف المسلحين على الحدود بانتظار إشارة البدء للاشتباك مع الحشد الشعبي، بهدف استنزاف قواه وإشغاله في معارك جانبية دامية تعرقل ضرباته الموجهة للقواعد الأمريكية، المخطط هنا يتجاوز المواجهة المباشرة إلى “الحرب القذرة”، حيث تم رصد إدخال أكثر من 5000 عنصر من تنظيم “داعش” إلى العراق بشكل رسمي تحت “غطاء سجناء”، في عملية تهدف لتكرار سيناريو اقتحام السجون ونشر الفوضى في الداخل العراقي عند الحاجة.
لم تكن “عمليات تهريب” عناصر “داعش” من سجون “قسد” التي قامت بها قوات الأمن العام التابعة للشرع عشوائية، بل كانت ترتيبات لوجستية دقيقة لتجهيز “جيش الظل” الذي سيواجه الحشد الشعبي، وفي إطار التمهيد النفسي والسياسي بدأت سلطة دمشق بتوجيه اتهامات للحشد ولحزب الله باستهداف الأراضي السورية، واعتقال خلايا ادعت تبعيتها لهما، لتصنع “ذريعة” قانونية وأخلاقية لأي هجوم قادم تحت مسمى “الدفاع عن النفس”.
إن الإعلان الصريح من قيادات “سوريا الشرع” بأن التوجه القادم هو “التوافق مع الإسرائيلي” يمثل وقع رصاصة على الهوية العروبية للدولة، فالتصريحات التي تخرج لتقول إن “النظام السابق علمنا أن إسرائيل عدو وإيران حليف، لكننا اكتشفنا العكس”، هي تصريحات تعلن بوضوح الاصطفاف تحت “المظلة التلمودية”.
هو اصطفاف لا مواربة فيه، يؤكد أن “سوريا الشرع” ليست قلبا ممانعا نابضا، بل “خنجر” في خاصرة المحور الذي وقف معها لسنوات، في تحول استراتيجي قد يغير وجه الشرق الأوسط لسنوات قادمة.