كنت في العشرين من عمري حين قررت أن أخوض تجربة سوق العمل للمرة الأولى في حياتي، بعد الكثير من التجارب غير الموفقة في الصحافة. كان ذلك قبل رمضان بأيام قليلة.
حينها تعرّفت على شهر رمضان بشكل آخر غير ذلك الذي كنت أعهده. رأيت رمضان مرآة مختلفة في ذلك العام؛ فقد كنت أعمل في أحد متاجر ملابس الأطفال، وهو ما كان بعيدًا تمامًا عن طبيعتي المنعزلة والانطوائية. ولغرابة هذا التحدي، ربما لذلك خضته حتى الرمق الأخير.
كان يومي في رمضان مزدحمًا؛ لم أكن أجد وقتًا لأي شيء غير العمل. في النهار كان الزبائن يأتون للبحث عن ملابس لأطفالهم من القرى المجاورة، وغالبًا ما كانوا من النساء اللواتي يمثّل لهن رمضان الكثير من الأشياء الجديدة. وكان الشهر، كطقس اجتماعي، يختلف عن كونه شهر الصوم والعبادات. وبين أذان المغرب والعشاء، كنت أعود مرة أخرى لاستكمال تلك المسيرة، والتعرّف على أنواع جديدة من الزبائن وأحلامهم التي يودّون تحقيقها دون جهد حقيقي، فقط لاختصار الوقت.
هكذا كنت أعيش أيام رمضان، ولم يكن ينقذني في تلك الأيام سوى محاضرات الجامعة. كنت أذهب إلى هناك فقط لأذكّر نفسي إلى أين أنتمي، وأن هدفي الحقيقي لم يكن يومًا هناك. كنت أشغل نفسي كل يوم في مشاريع وتكليفات المواد الدراسية، وكأن هذا هو الوصل الوحيد بيني وبين الصحافة. هذا ما كان يذكّرني دومًا بأنني تمنّيت أن أكون صحفية فقط، دون أي محاولات أخرى للبحث أو اكتشاف شيء آخر.
ربما لم تستمر تجربتي كثيرًا؛ فقط عامًا أو أكثر قليلًا. رمضانان متتاليان كانا محطة فارقة في حياتي ورؤيتي للشهر المبارك. منذ ذلك الحين لم أعد أرى رمضان الزحام والزينة في الشوارع وأصوات الأطفال كجزء من طقوس مصرية لطيفة، بل أصبحت أراه تذكارًا لتلك الأيام التي تشتتُّ فيها كثيرًا وتعلّمت منها الكثير. أيامًا، وإن قست عليّ قليلًا، لا أظن أنها كانت تخلو من بعض الذكريات السعيدة أو المحاولات لتغيير ما كنت أحياه. أذكر أنني في ذلك العام كنت الأولى على دفعتي؛ وربما كانت تلك التجربة هي السبب الرئيسي في ذلك. فلولاها، لم أكن لأدرك قيمة ما أحب كما أدركها اليوم.
في تلك الأيام من رمضان، وبعيدًا عن الجامعة، كان ينقذني صوت الزينة في الشوارع في طريقي إلى المنزل. وكذلك البسبوسة أو طبق المهلبية اللذان كانت تعدّهما لي أمي؛ كان مذاقهما يبدّل اليوم وكأنه لم يكن مرهقًا على الإطلاق. كانت العودة إلى المنزل الفعل الأحب إلى قلبي، وإن كانت تزعجني أحيانًا أخرى.
تجربة، وإن لم أحبها كثيرًا، ولم تجمعني بها الكثير من الذكريات السعيدة، والتي ربما كانت السبب في أن أكره زحام شهر رمضان اليوم، إلا أنها أهدتني الكثير؛ ربما كان أبسطه أنني عرفت ماذا أريد حقًا، وأن حلمي في الصحافة، وإن تأخر، لا يزال جزءًا مني.
هكذا أذكر رمضان من كل عام: شهرًا مزدحمًا أنتظره لأتذوّق شعائره الدينية وأحياها كما هي. فتلك الأشياء البسيطة، منذ عدة أعوام، لم يكن بمقدوري أن أحياها في زحام يوم رمضان الذي كنت فيه طالبة إعلام، شعبة الصحافة تحديدًا، وبائعة في متجر لملابس الأطفال، ليست لديها أي فكرة عمّا تفعله هنا.