في تاريخ كل أمة، يحمل مثقفوها على كواهلهم مسؤوليات قومية جليلة القدر، وتتعدد وظائف المثقف من فهم الواقع وتحليله وتحديد مواضع الخلل والاعوجاج إلى تقييم الأداء وطرح الرؤى المستقبلية. إن المثقف ذو روح قلقة، غير مهادنة، وصرخة لا تنقطع؛ إنه ذو مهمة ذات طبيعة ازعاجية.
والمثقف ذو علم وخبرة بقضايا قومه يناضل من أجلها ولا يعرف انتماء لغير وطنه، إنه يلقي بأحجار الوعي في مياه الجهل والسكون الآسنة والراكدة، إنه يعمل ما بقي صوته على وخز الضمير الجمعي وازعاجه، فهو مصدر قلق أبدي لكل خامل مستكين، إنه الصوت المدوي الذي لا يصمت ولا يخمد، إنه صاحب الدور المتجرّد من مشاعر الذاتية والأنانية.
والمثقف الوطني الحق يمثل ظاهرة حية بين الجماهير، يبعث فيهم روح الإصرار والتحدي، ويضيء لهم السبل ويرشدهم لمرافئ النجاة. وقد عرفت مصر عبر تاريخها جماعات عدة من المثقفين الذين ملأوا حياة المصريين بل العرب جميعًا كشفًا وتوعية وتوجيهًا وتصدّيًا. ففي الماضي القريب كان هناك العقاد وطه حسين وزكي نجيب محمود وجمال حمدان ويوسف إدريس وسعد الدين وهبة ونعمات أحمد فؤاد، ولقد غيّب الموت هؤلاء الكبار، وبدا الميدان من بعدهم خاليًا، وربما كانت آخر صرخات عرفتها الثقافة المصرية هما صرختا يوسف إدريس ونعمات أحمد فؤاد؛ فقد أطلق الأول صرخته (أهمية أن نتثقف يا ناس) بالأهرام في صباح الإثنين 1984/7/9، وأطلقت الثانية صرختها عبر الأهرام من خلال تسعة مقالات بعنوان (ماذا يُراد بمصر؟).
أين ذهبت صرخات المثقفين؟ هل صمتوا يأسًا؟ أم انفصلوا عن المجتمع وقضاياه؟ أم تحولوا لأداء وظائف أخرى هنا أو هناك؟ إن غياب دور المثقف الوطني كارثة بامتياز، وبخاصة في مجتمع تعرّضت ثقافته ووعيه للتشويه من جميع الجبهات، وهو في صراع مع عدو خارجي يعمل بكل طاقاته لمحو ثقافة المصريين. صحيح أننا لسنا وحدنا نعاني من غياب المثقف الملتزم، فتلك الظاهرة أطلت برأسها في أوروبا من قبل حين أعلن الفيلسوف الفرنسي (دوبريه) أن دور المثقف التقليدي الذي يمثل سلطة أخلاقية وسياسية قد انتهى بعد عام 1960، وهو يعني بذلك (موت المثقف).
ومن المفارقة العجيبة أن دوبريه يَدلِي بظاهرة حدثت في فرنسا منذ عام 1968 شديدة الشبه بما وقع لمثقفينا بعد هيمنة الفضائيات التلفازية واستقطابها لهم بدافع التكسب والوجاهة والشهرة، فالمهم أن يكون المثقف الضيف ضابطًا موجته وفق توجهات هذه القناة أو تلك. فيقول دوبريه: “في عام 1968 هجر المثقفون إلى حد كبير جماعاتهم من الناشرين المؤمنين بمثل معتقداتهم، واندفعوا أفواجًا إلى وسائل الإعلام الجماهيرية كصحفيين وضيوف البرامج الحوارية، ومضيّفين لها، ومستشارين، ومديرين”.
وهكذا فعل كثير من مثقفينا الذين ابتلعتهم الفضائيات وباتوا في حالة من التهافت المكشوف، وقد تفاقمت تلك الظاهرة بصورة تخصم من مصداقية أولئك النفر بعد أن طغى على أغلبهم منهج التبرير الفج.
ولا شك أن ذلك قد أساء إلى سمعة (المشهد الثقافي المصري) الذي لمسنا تراجعًا له في محيطه العربي؛ تراجعًا يستحق الرثاء، وبضعفه تضعف أكثر القوى المصرية الناعمة. لقد أصبحنا في حاجةٍ قوية إلى ما أسماه الباحث التونسي (علي الصالح مولى) بالمثقف الهُوَوِيّ، الذي ينتشل نفسه من مدارات التوظيف والتشغيل والتشكيل للحساب الحزبي أو المذهبي أو الطائفي، وأن يحرر نفسه من الارتهان بمقاربات تستثمر دوره في تعزيز مواقع فاعلين آخرين.
إننا في حاجة إلى المثقف المنخرط بين جماهير وطنه، ويكون لهم رائدًا، والرائد لا يكذب أهله. إننا نعيش في لحظة تاريخية ساخنة إلى درجة الغليان، تواجه فيها مصر من التحديات الجسيمة ما لم تواجهه على امتداد تاريخها العريق، وإن أخطر تحد يواجهه شعب من الشعوب هو انتزاعه من ثقافته بوسائل التضليل والتشويه والتهميش والتسطيح، ليتحول كل شيء أصيل إلى مسخ قبيح يأنف الذوق من النظر إليه.
فهل يستيقظ مثقفونا لينبروا للدفاع عن ثقافتنا المصرية التي باتت في مرمى نيران أعدائها من كل صوب وحدب؟