في الثامن من ديسمبر ٢٠٢٥، أحيت السلطات السورية الانتقالية الذكرى الأولى لانطلاق المرحلة السياسية الجديدة عبر عرض عسكري ضخم في قلب العاصمة دمشق، في مشهد أرادت من خلاله تكريس صورة “الدولة القادرة” بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام ٢٠٢٤.
امتدّ العرض على طول أوتوستراد المزة، حيث تقدّمت وحدات عسكرية ومئات الجنود على مدى ثلاثة كيلومترات، فيما حلّقت مظلات عسكرية وطائرات في تشكيلات متزامنة فوق العاصمة، في محاولة لإبراز بداية مرحلة جديدة بعد حوالى خمسة عشر عاماً من الحرب. وظهر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ـ أبو محمد الجولاني سابقاً – في الجامع الأموي وهو يرتدي زيه عسكري الذي رأيناه به كثيرا من قبل إبان قيادته لهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) أثناء حكمه لإدلب وحتى وصوله إلى السلطة في دمشق، في صورة طبق الأصل لذات المشهد في العام الفائت.
لسنا هنا للتحدث عما جرى خلال هذه الحرب المدمرة، ولا كيف سقط النظام السابق بهذه السهولة وبدون “ضربة كف”. ربما نتحدث عنه باستفاضة في مقالات لاحقة، لكننا نركز في هذه المقالة عما يجري على الأرض والواقع الأليم الذي تعيشه سوريا! فمن خلف هذا الاستعراض الذي حمل رسائل سياسية واضحة، تتكشف صورة أكثر تعقيداً وقلقاً حول مستقبل البلاد. فبعد عام كامل على انتهاء الصراع المسلح، لا تزال معاناة السوريين ممتدة، وتطلعاتهم المعلّقة على مرحلة الانتقال لم تتحقق بعد.
عودة بلا وطن: النازحون يعودون إلى الركام
في الشمال السوري، وخاصة في حلب وبعض مناطق إدلب، عاد كثير من النازحين إلى بلداتهم ليجدوها بلا ملامح: بيوت مدمّرة بالكامل، أحياء خالية، وبنى تحتية معدومة.
فالحرب انتهت، لكن إعادة الإعمار لم تبدأ فعلياً، ما جعل العودة بالنسبة لكثيرين “عودة إلى اللاشيء”
ويلتقي السكان العائدون بمخاطر جديدة: منازل آيلة للسقوط، وذخائر غير منفجرة، وفوضى أمنية متواصلة.
الانتقال السياسي: آمال كبرى ونتائج باهتة
إذا ألقينا نظرة على الشمال السوري نجد أن حمدان العابد، نائب الرئاسة المشتركة في الإدارة الذاتية شمال وشرق سوريا، عبّر بوضوح عن حجم الفجوة بين تطلعات السوريين وواقع المرحلة الانتقالية.
فبعد سقوط حزب البعث، كان الأمل بولادة سوريا جديدة بشعار جذاب ووعود براقة:
“سوريا ديمقراطية، لا مركزية، تحترم حرية الرأي، وتضم جميع مكوّناتها دون إقصاء.”
لكن العابد يرى أن السنة الأولى من المرحلة الانتقالية لم تُحقّق شيئاً من هذه الوعود. فالأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية مازالت تتفاقم، والتدخلات الإقليمية — خصوصاً التركية التي اسست لوجود طويل المدى — عمّقت الانقسام بدل أن تعزز الوحدة الوطنية.
كما شهدت مناطق الساحل والسويداء تصاعداً خطيراً في الاغتيالات والخطف والفوضى، فلا يمكن أن نغض الطرف عن المجازر التي حدثت في هذه المناطق، وانفلات ال”ميليشيات” المحسوبة على الحكومة السورية المؤقتة، فيما فشلت المؤتمرات السياسية والإعلان الدستوري والبرلمان الجديد في تمثيل السوريين جميعاً، واتجهت — بحسب العابد — لخدمة مصالح فئة ضيقة.
العابد ختم بدعوة واضحة
“نريد حواراً وطنياً شاملاً يضم القوى السياسية والمجتمع المدني والنساء والشباب لبناء دولة ديمقراطية تعددية لامركزية.”
غليان في الساحل: إضراب واسع دعماً للشيخ غزال غزال
شهدت مدن الساحل السوري — اللاذقية وريفها، جبلة وأريافها، بانياس، طرطوس، صافيتا، مصياف، والدريكيش، الى جانب بعض أحياء مدينة حمص — واحدة من أكبر الإضرابات المدنية منذ بداية المرحلة الانتقالية، استجابةً لدعوة الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى.
أغلقت الأسواق بشكل شبه كامل، ورفعت شعارات قوية أبرزها:
“كلّنا مع الشيخ غزال غزال”، “الإضراب حق وكرامة”، “دم العلوي ليس رخيصاً”
الإضراب عكس حجم التوتر داخل الطائفة العلوية التي تواجه موجة عنف ممنهج منذ سقوط نظام الأسد، بما في ذلك عمليات قتل وخطف ونهب نفّذتها مجموعات مرتبطة بهيئة تحرير الشام، والتي تم حلها ودمج أفرادها في وزارة الدفاع والأمن العام لكنها احتفظت بأفكارها الجهادية المتطرفة، حسب تقارير حقوقية.
ضغوط إقليمية وتدخلات مستمرة
على المستوى الدولي، حاولت واشنطن تقديم صورة “التقدّم” في سوريا. إذ أشاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بما وصفه “خطوات مهمة” في السنة الأولى من الانتقال، مؤكداً دعم بلاده لسوريا “شاملة، مزدهرة، وفي سلام مع جيرانها”.
وفي واشنطن أيضاً، وافق الكونغرس الأمريكي على إلغاء قانون “قيصر”، مع إبقاء شرط مراقبة التزام الحكومة الانتقالية بمحاربة الإرهاب وإبعاد المقاتلين الأجانب عن المناصب الحساسة داخل الدولة.
لكن هذه الصورة الدبلوماسية تتناقض مع تطورات أكثر توتراً. فقد صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مطالبه بإنشاء منطقة عازلة تمتد من تخوم الجولان المحتل إلى مشارف دمشق، بعد عملية عسكرية إسرائيلية قُتل فيها مدنيون قرب بيت جن.
ويرى مراقبون أن هذه المطالب تمثل توسعاً إسرائيلياً مباشراً في لحظة هشاشة سورية، خصوصاً بعد تقدم إسرائيل داخل منطقة فصل القوات التي أنشئت عام ١٩٧٤ واحتلالها مساحة تقدر ب٢٣٥ كيلومتر مربع وسيطرتها على منابع المياه في حوض اليرموك، وجبل الشيخ الاستراتيجي الذي يعطي لإسرائيل سيطرة على الحدود السورية اللبنانية وحتى تخوم العاصمة!
تغيّر في المزاج الشعبي: رفض شامل للتطبيع مع إسرائيل
استطلاع رأي نشرته فورين بوليسي كشف أن:
• 86% من السوريين يرفضون التطبيع مع إسرائيل
رغم الضغوط السياسية والتحركات الهادفة لفرض واقع سياسي جديد.
كما أظهر أن 92% يعتبرون الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ولبنان وإيران تهديداً رئيسياً لأمنهم الوطني.
ورغم أن ثلثي المستطلعين عبّروا عن رؤية إيجابية للولايات المتحدة — نتيجة تخفيف بعض العقوبات — بقيت المخاوف قائمة، خصوصاً بين الأقليات الدينية التي تعيش حالة خوف متصاعد من السلطة الجديدة التي يقودها أحمد الشرع المعروف سابقاً بأبو محمد الجولاني، القيادي الجهادي السابق.
سوريا بين عامين: انتقال معلّق ومصير مفتوح
تطفئ سوريا شمعتها الأولى في المرحلة الانتقالية وهي ما تزال واقفة على حافة المجهول.
فالإنجازات التي تحتفي بها الحكومة الانتقالية — كإعادة فتح بعض المؤسسات وتحسّن الخدمات نسبياً في المدن الكبرى — لا تخفي الواقع الأكثر قسوة:
بلد ممزّق، إعادة إعمار شبه متوقفة، انقسام مجتمعي عميق، محاولة فرض أفكار متطرفة لا تتناسب مع أغلبية الشعب السوري، وتدخلات أجنبية تعيد رسم المشهد السياسي والعسكري.
ما رأيناه ومازلنا نراه على الرقعة الجغرافية السورية سواء في الشمال الشرقي في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، أو على الساحل عند العلويين أو في محافظة السويداء ومناطق الموحدين الدروز، وبالطبع مع التدخل الاسرائيلي السافر في الجنوب، يظهر أن النظام الجديد في الحقيقة لا يبسط سيطرته بالشكل الذي يحاول اظهاره، ولازال لم يستطع التفرقة بين حكم محافظة ادلب الصغيرة وحكم دولة بأكملها متنوعة الأعراق والمذاهب والطوائف.. فحكم سوريا يتطلب انفتاحاً وتوافقاً حقيقياً، وتماسكاً يجهض أي فكرة لتقسيم الدولة وهذا ما نتمناه جميعاً، خصوصاً كمصريين لهذا البلد الحبيب.
وبينما يستعد السوريون لدخول عام ٢٠٢٦، يظل السؤال الأكبر معلّقاً:
هل يمكن لسوريا أن تتحول فعلاً إلى دولة ديمقراطية جامعة، أم أن مسار الانتقال سيظل متعثراً تحت ثقل الانقسام والتدخلات والوعود غير المنجزة؟
ما يزال الأمل قائماً، لكن طريق التعافي يبدو أطول بكثير مما وُعد به السوريون قبل عام واحد فقط.