أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

عندما لم تُفتح الأبواب.. بكيتُ مرةً أخرى

في سبتمبر، بكيتُ لأن ليلى ابتسمت. كانت ابتسامة ضعيفة، مرهقة، لكنها كسرت شيئًا في الجدار الذي طال وقوفه بين الأمل والواقع. ابتسامةٌ صغيرة فتحت شقًّا في جدار اليأس، سمحت ببعض النور أن يتسلل إلى قلوبٍ أنهكها الانتظار.

يومها تمنّيت أن تكون ابتسامة ليلى سويف بدايةً لعناقاتٍ أخرى، أن تتحول تلك اللحظة العابرة إلى عدوى إنسانية تُصيب الأبواب المغلقة بالحنين، فيُفتح بابٌ بعد آخر، ويخرج أبناؤهن واحدًا تلو الآخر. تمنّيتُ أن تكون تلك النهاية نصف السعيدة فاتحةً لفرحٍ أكبر.

لكن الحياة (كما عهدناها) لا تقرأ أمنياتنا، والواقع (كما نعرفه) مرٌّ لا يمنحنا أكثر من نصف فرحٍ في مقابل حزنٍ كامل.

أخبار ذات صلة

ترامب
ترامب يعلن تأجيل الضربات العسكرية على محطات الطاقة الإيرانية لـ 5 أيام
large (1)
موعد مواجهتي الزمالك وشباب بلوزداد في نصف نهائي الكونفدرالية الأفريقية
حقل بارس في قطر
بعد استهداف حقل بارس.. هل يدخل العالم أزمة طاقة جديدة؟

في نوفمبر.. لم تُفتح الأبواب

في نوفمبر، ماتت أمٌّ مصرية، سيدة في الخامسة والثمانين أضناها طول الفراق، بعد أن انتظرت سنواتٍ طويلة آملةً أن ترى ابنها مرةً أخيرة، فلم تأذن لها الحياة، ولم يأذن له السجن.

اسمها عفاف محمد عطية، واسم ابنها محمد القصّاص.

كان قريبًا جدًا منها، لا تفصله عنها سوى أسوارٍ وجدرانٍ وساعة طريق، لكنه ظل بعيدًا كأنه يعيش في كوكبٍ آخر.

ثماني سنواتٍ من الحبس، طلبٌ تلو الآخر، رفضٌ تلو آخر، وحلمٌ واحدٌ بسيط: أن يُسمح له بالخروج بضع ساعات ليقبّل يد أمه المريضة.

لم تكن تطلب منه شيئًا سوى نظرةٍ، ولم يكن يطلب منهم شيئًا سوى إذنٍ مؤقت بالوداع.

قبل وفاتها بأيام، حاولت أسرته مرةً أخيرة. حملت زوجته طلبًا رسميا للسماح له برؤيتها في لحظاتها الأخيرة، لكن. لم تُفتح الأبواب. ماتت الأم، وبقي الابن في زنزانته، وبقي السؤال يطرق الباب المغلق ولا يجيب.

رحلت الأم. رحلت كما ترحل آلاف الأمهات في صمتٍ ووجعٍ وقلوبهن معلقة على بابٍ قاسٍ لم يُفتح. ورحل معها آخر ما تبقى له من خيطٍ إنسانيٍ رفيعٍ يربطه بالعالم خارج الزنزانة.

بقي هو هناك، يسمع الخبر عبر نافذةٍ ضيقة في جدارٍ من الحديد، ويعرف أن اللحظة التي انتظرها سبع سنوات قد فاتت، وأن الوداع لم يعد ممكنًا إلا في الأحلام.

المنفى أيضًا سجن

في الأيام نفسها تقريبًا، كان صحفيٌّ مصريٌّ آخر يعيش وجعًا مشابهًا، لكن بطريقته.

عبد المنعم محمود، الذي عاش سنواتٍ من النفي في لندن، تلقى هو الآخر الخبر الثقيل: أمه ماتت.

كتب على صفحته في فيسبوك: «أمي ماتت، أبوس إيديكم ساعدوني أنزل مصر أدفنها».

كلماتٌ بسيطة، لكنها تختصر الغربة كلها في سطرٍ واحد.

لم يكن خلف قضبان، لكنه كان خلف حدودٍ لا تُرى. حدود الخوف، وحدود المجهول، وحدود وطنٍ لم يعد يعرف إن كان مرحّبًا بعودته أم سيغلق عليه الباب إلى الأبد.

المنفى أيضًا سجن، لكنه سجن بلا مفاتيح. فيه يُحكم عليك ألا تلمس من تحب، وألا تودّع من ترحل، وألا تنتمي إلا من بعيد.

دُفنت الأم، والابن يراقب من شاشة هاتفه ما لا يستطيع أن يعيشه بجسده، يسمع التلاوة، يرى الوجوه، ثم يسدل الستار وحده في صمت.

القصّاص وعبد المنعم

واحدٌ في السجن، والآخر في المنفى، لكن كليهما وُضع في الامتحان ذاته: كيف تبكي دون أن تودّع، وكيف تتحمل الفقد مرتين: مرة لأن الأم رحلت، ومرة لأنك لم تكن هناك. بين القضبان والحدود مسافةٌ طويلة، لكن الألم واحد.

في سبتمبر، كتبتُ عن أمٍّ عادت إلى حضن ابنها، واليوم أكتب عن أمٍّ رحلت دون أن تراه، وعن ابنٍ بقي بعيدًا عن قبر أمه.

قبل شهر أو يزيد قليلاً، فتحت ليلى سويف الباب. لكنه في نوفمبر، أُغلقت أبواب كثيرة خلفها أمهات ينتظرن عناقا.

أفكر في جملتها تلك التي قالتها يوم اللقاء: “عُقبى لأولاد الناس كلها”؛ كانت جملةً واسعة كالدنيا، صادقة كأمهاتنا حين يدعين في الظلام، قبل أن ينفجر نور فجرٍ جديد، قالتها وهي تبتسم بعد أعوامٍ من البكاء، قالتها لتوزع الفرح بالعدل. لكن يبدو أن جملتها الصادقة لم تكتمل، أو أن الوقت لم يسعفها بعد. ولازلنا ننتظر فَجرًا جديدا وعدلا واسعًا.

ليست الحكاية عن اسمين فقط، وإن كان لكل اسمٍ ما يكفي من الوجع ليصير عنوانًا. الحكاية عن حق الوداع في بلدٍ يُطالَب فيه الأحياءُ بالإذن كي يبكوا موتاهم، وعن حق اللقاء في خاتمة الطريق حين تُصبح الأمّهات مواقيتَ للصبر، والأبناء سجناءَ للتأجيل.

فقه الرحمة

ربما يبدو الكلام عاطفيًا؛ نعم، هو عاطفيٌّ عن عمد، وينبغي له أن يكون كذلك؛ لأن ما يحدث عند الباب الأخير (باب المستشفى أو المشرحة أو المقبرة) لا يحتاج إلى فقه السياسة، بل إلى فقه الرحمة: أن نترك الإنسان إنسانًا وهو يودّع. أن نثق أن ابنًا لن يهدّ دولةً إذا حضر جنازة أمّه، أن نفهم أن القانون الذي يمنع الدموع ليس قانونًا، بل هو ضمير معطوب.

ما زلتُ أؤمن أن الدول القوية لا تُقاس بعدد من تسجن، بل بعدد من تحتمل اختلافهم دون أن تسلبهم إنسانيتهم. ومن إنسانيتنا هذه التفاصيل الصغيرة: ساعةُ وداع، نظرةٌ أخيرة، ذراعٌ تُسند من أنهكه البكاء.

كم من الأمهات ينتظرن، وقلوبهن تحصي الأيام؟ كم منهن صار جسدها أضعف من أن يتحمل مشقة الزيارة، لكن روحها لا تزال تتشبث بالأمل؟ كم منهن ستغمض عينيها دون أن ترى من أحبّت؟

الحرمان له وجوهٌ كثيرة، لكن أقساها أن تُحرم من الوداع. أن يموت فيك نصفك الذي كان يجد في حضن أمك ملاذه الأخير. أن تعرف أن الأمر لم يكن يحتاج إلا إلى قرارٍ صغير، توقيعٍ في دفترٍ، قليل من الرحمة.

ربما لا يغيّر هذا الكلام شيئًا، لكن الكتابة أحيانًا هي شكل من أشكال المقاومة ضد النسيان. نكتب لأننا لا نريد أن يصبح الألم عادة، ولا الحرمان أمرًا طبيعيًا. نكتب لأننا نؤمن أن الحكايات الصغيرة (مثل لحظة وداعٍ لم تتم) تقول عن وطنٍ بأكمله أكثر مما تقوله خطابات طويلة، ومقالات منمقة.

في سبتمبر، قلت إن الإنسانية لا تعرف الحدود. واليوم أقول: لكنها تعرف الوداع. والوداع حقٌّ لا يُؤجَّل.

ليت كل النهايات تكون نصف سعيدة على الأقل. ليت كل الأمهات يُمنَحن فرصة العناق قبل الرحيل. ليت الرحمة تسبق الموت، ولو بخطوة.

في سبتمبر، كتبتُ عن ابتسامة أمٍّ عادت إلى حضن ابنها. في نوفمبر، أكتب عن أمٍّ رحلت دون أن ترى ابنها، وعن ابنٍ بعيدٍ يطلب إذنًا ليحمل أمَّه إلى قبرها بيديه. ما بين النصّين، مسافةُ بابٍ مغلق. وما بين البابين، بلدٌ يبحث عن نفسه وإنسانيته في المرآة.

لا أملك خاتمةً مضمونة. لكني أملك أمنيةً صادقة: أن نتّسع، ولو مرّة، لما هو أبسط من السياسة وأعمق منها، أن نتّسع للوداع. ولعلّ ديسمبر (أو أي شهر قادم) يكفّر عن نوفمبر بشباكٍ صغير للرحمة يُفتح في جدارٍ طويل لكل أولئك الذين لا نعرف أسماءهم، لكن أمهاتهم يعرفنها، وينتظرن.

و”عقبى لأولاد الناس كلها” في الفرح حين يتاح، وفي الوداع حين لا بديل.

“عُقبى لأولاد الناس كلها”… قبل أن يفوت الأوان.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

الاقتراض بـ الدولار
حين تقترض الدولة بالدولار.. مَن يتحمل التكلفة الحقيقية؟
طقوس العيد
تكبيرات وصلاة وحلوى.. رحلة "العيد" في ثقافات العالم المختلفة 
مجلس النواب
البرلمان على موعد مع تعديلات قانون النقابات العمالية.. هل تنتهي أزمات العمال؟
مشغولات ذهبية
استقرار مقلق بأسعار الذهب في مصر.. وعيار 21 أقل من 7000

أقرأ أيضًا

هارون الهواري
هذا هو قَدَرُ مصر.. "الكبير" في الأزمات والملمّات في المنطقة
عبد الغني الحايس
عناوين الصحف ودعوة للتفاؤل
47c211bd-acf9-49bc-bdf2-0d9ee03719f5
ضربات قاصمة واغتيالات.. هل خسرت إيران الحرب؟
IMG_2881
رنا التونسي تكتب: أمهات ينظرن إلى العالم