خلف أسوار المفاعلات الصامتة ودخان الحرائق المتصاعد من “أردوكان” و”ساجاند”، تدور الآن رحى حرب من نوع خاص؛ حرب لا تكتفي بتهشيم العظام، بل تسعى لقطع “نخاع” الطموح النووي الإيراني من جذوره.
في وقت يحبس فيه العالم أنفاسه بانتظار “ساعة الصفر”، تطرح “القصة” السؤال الأكثر إثارة للجدل: هل نجحت الضربات الأخيرة في خنق “البعبع” النووي، أم أن طهران تمتلك بالفعل ما يكفي لإحراق المنطقة؟
ضرب الجذور.. هل جفت منابع اليورانيوم؟
في تصريح خاصة لـ “القصة”، يضع الدكتور يسري أبو شادي، مفتش الطاقة الذرية السابق، النقاط على الحروف فيما يخص استهداف “مصنع الكعكة الصفراء” ومناجم اليورانيوم الخام.
يوضح أبو شادي أن ضرب مناجم اليورانيوم في “ساجاند” ومصنع الكعكة الصفراء في “أردوكان” ليس مجرد استهداف لمبنى إضافي، بل هو ضرب لـ “مبدأ الحياة” في دورة الوقود النووي، فهذه المراحل هي المسؤولة عن إنتاج “سادس فلوريد اليورانيوم” الغاز الذي تبدأ به عملية التخصيب، ومع تدمير مصنع أصفهان منذ يونيو الماضي، تجد إيران نفسها اليوم أمام “عنق زجاجة” حقيقي؛ فإذا أحكمت المقاطعة الدولية على استيراد اليورانيوم الطبيعي من الخارج، فإن قدرة إيران على الاستمرار في التخصيب ستتلقى طعنة نافذة في الصميم.
أسرار “مخزون الشاه”.. النهاية تقترب
يفجر أبو شادي مفاجأة من العيار الثقيل تتعلق بـ “مخزون إيران الاستراتيجي”، مشيراً إلى أن طهران كانت تعتمد لسنوات طويلة على مخزون ضخم من اليورانيوم الطبيعي استوردته من جنوب أفريقيا إبان عهد “الشاه”.
هذا المخزون، الذي كان يمثل صمام الأمان للبرنامج النووي، “شارف على النهاية” بحسب تعبيره، وهذا يعني أن الضربات الحالية للمناجم المحلية ليست مجرد “تعطيل مؤقت”، بل هي محاولة فعلية لخنق البرنامج النووي من بدايته، ومنع إيران من تجديد دمائها النووية لسنوات طويلة قادمة.
المعادلة المرعبة.. 450 كيلوجراماً تساور العالم بالجنون
لكن، وبينما يرى البعض أن تدمير المناجم انتصار، يطرح أبو شادي زاوية أكثر رعباً وإنسانية في آن واحد؛ فالحرب ليست فقط فيما “سينتج”، بل فيما “أنتج بالفعل”.
يؤكد أبو شادي أن التأثير على المناجم و الكعكة الصفراء هو تأثير “بعيد المدى”، لكن الكابوس الذي يقض مضاجع واشنطن وتل أبيب هو “الآن”، السؤال الوجودي الذي يطرحه المفتش الدولي السابق هو: أين ذهبت الـ 10 أطنان من اليورانيوم المخصب التي تمتلكها إيران؟ وهل ما زالت سليمة؟
“الرعب الحقيقي يكمن في الـ 450 كيلوجراماً من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%.. هذه الكمية وحدها تكفي لصناعة 10 قنابل ذرية”
هذا التصريح يقلب الطاولة على التحليلات التقليدية؛ فإيران قد لا تحتاج للمناجم أو المصانع المدمرة حالياً إذا كانت تمتلك بالفعل “المنتج النهائي” الجاهز للتحول إلى سلاح فتاك في أي لحظة، نحن أمام سباق مع الزمن بين محاولات “الخنق من الجذور” (المناجم) وبين “انفجار الثمار المرّة” (القنابل المحتملة).
إسرائيل وأمريكا.. رقصة فوق حافة الهاوية
ومن جانبه، يرى الدكتور علاء السعيد الخبير في الشأن الإيراني لـ”القصة” أن المنطقة تعيش حالة “غموض استراتيجي” فالصمود الإيراني، كما يصفه، أصبح “مزعجاً ومقلقاً” بشكل غير مسبوق وإن الضربات التي وصلت إلى محيط مفاعل “ديمونة” الإسرائيلي لم تكن مجرد رسالة عسكرية، بل كانت تذكيراً حياً بأن إيران “تريد أن ترعب بقدر ما تُرعب”.
مستكملاً بأن النزوح الجماعي للمستوطنين وتوتر حركة الملاحة في المضايق الدولية، كلها خيوط في شبكة واحدة يقودها صراع “الإرادات النووية”، فهل تنجح استراتيجية “الأرض المحروقة” في تدمير طموح طهران، أم أن “الـ 10 قنابل” المفترضة قد وضعت بالفعل على منصات الإطلاق؟
هل فات أوان التعطيل؟
الحقيقة التي يكشفها الدكتور يسري أبو شادي لـ “القصة” هي أن العالم يواجه مستويين من التهديد: تهديد مستقبلي: نجحت الضربات في إعاقته عبر تدمير مصانع الكعكة الصفراء والمناجم.
تهديد وجودي حالي: يتمثل في المخزون المخصب “الجاهز”، وهو ما لا يمكن للضربات الجوية وحدها أن تمحوه دون مخاطرة بتفجير المنطقة بالكامل.
بين هذا وذاك، تظل “الكعكة الصفراء” هي المادة الأكثر إثارة للجدل في العالم، مادة قد تكون وقوداً للحياة.. أو فتيلة لنهاية العالم كما نعرفه.