إن فلسفة التعليم قبل الجامعي في مصر باتت مستعصية على الفهم، وأزمة مزمنة بامتياز، تراكمت عناصرها، وعلتها الأتربة عبر حقب متتابعة.
ومع كل حقيبة وزارية جديدة للتربية والتعليم تقدم البشرى لجموع المصريين بما تحملها من حلول ناجزة لهذه الأزمة، ولكن سرعان ماتنجلي عن بعض إصلاحات هامشية، وعلاجات محدودة، وترقيع لثقوب في ثياب بالية، لم يعد يجدي معها الترقيع نفعا، بل يزيدها قبحا، وكأن سياساتنا التعليمية قد أدمنت (الجري في المحل )، لأنها دائما مرهونة برؤية فردية ضيقة وحادة، مهما كانت وجاهة جانب من جوانبها.
إنها رؤى غائمة تكرس لمشهد الانهيار التعليمي، وتزيده قتامة وغموضا، ويتصدر هذا المشهد العجيب تشتت التعليم قبل الجامعي وتمزق خارطته.
ويتجلى ذلك في كثرة وتعدد أنواع مدارسه، ولاسيما الأجنبية منها بما تتأسس عليه من مناهج ومقررات دراسية مختلفة الرؤى والتوجهات والدوافع الخفية فتبدو هذه المدارس المعروفة بالدولية، وكأنها جزر (ألوشيان ) في (ألاسكا ) التي تتألف من ثماني جزر متفرقة ونائية.
لقد ظهر هذا النوع من المدارس في مصر ظهورا محدودا تماما مع نشأة مدارس السانت فامي الفرنسية الكاثوليكية ذات الطابع التبشيري عام 1879م ثم مدارس الفرير عام 1888م، ولم تكن بهذه السطوة التي لنظيرتها من المدارس الدولية في وقتنا الراهن، ولم يكن يلتحق بها إلا أبناء الجاليات الأجنبية وقلة قليلة من أبناء المصريين الأثرياء (المتفرنجين).
ومع قيام ثورة يوليو 1952 وماجاءت به من توجهات ثورية ذات طابع قومي، تنشد المساواة وتكافؤ الفرص، تراجع الاهتمام بهذه المدارس أمام تعليم حكومي على درجة عالية من الازدهار يدعم التماسك الاجتماعي والحس الوطني والشعور العميق بالانتماء، حتى أن مقررات التعليم المصري ومناهجه كانت الذائعة والمُفَعَّلة في معظم الأقطار العربية الشقيقة، وينهض بالتعليم فيها معلمون مصريون ذوو كفاءة عالية بوصفهم سفراء لمصر في هذه الأقطار.
ولكن مع هبوب عواصف الانفتاح الاقتصادي الشؤم بدأت تجلياته مع نهاية الثمانينيات حين طالبت ثُلة من أعضاء الحزب الوطني بمجلس الشعب بتأسيس جامعات خاصة بمصر عام 1988م وهو ما أفزع رئيس المجلس الوطني الغيور الدكتور رفعت المحجوب ونزل من منصته وأعلن رفضه القاطع لهذا المطلب بوصفه الشرارة الأولى في تقسيم التعليم تقسيما تمييزيا بين الفقراء والأغنياء مما يضرب بمبدأ تكافؤ الفرص في مقتل، ويؤسس لتعليم طبقي من شأنه قتل احلام ابناء المصريين، وتغييب الانتماء الوطني لديهم.
ولكن كانت الهجمة الانفتاحية برجالها النافذين شديدة عاتية، فما إن أقبلت سنة 2000 م حتى عاودت الهجمة كَرَّتها، ونجحت بقوة في إحداث قفزة واسعة في إنشاء (المدارس الدولية ), التي انتشرت بصورة مخيفة في كل أقاليم مصر، وكذلك المدارس الخاصة ومدارس اللغات.
فظهرت اول مدرسة دولية وهي المدرسة الكندية، تلاها ظهور متلاحق ومتزامن لمدارس دولية (Ips) تتبع المنهج البريطاني وتمنح شهادة (GCSE) الدولية، ومدارس فرنسية وأمريكية ويابانية تجمع بين المنهج الرسمي للغات ومناهج أنشطة يابانية (توكاتسو ) ومدارس خاصة (عربي /لغات ) تمول ذاتيا، وتستقل في مناهجها وطرقها التعليمية، ومدارس أخرى تعتمد مقررات أجنبية مختلفة.
وهناك إحصائية تذكر أن عدد المدارس الحكومية في مصر قد بلغ ( 49804) مدرسة، ومدارس خاصة بلغ عددها( 10450) مدرسة، والمدارس الدولية (25) مدرسة، ومدارس اللغات(3243) مدرسة.
إن هذا التنوع المفرط في المدارس الأجنبية والخاصة على أرض مصر قد يبدو للبعض دالا على ثراء التعليم وازدهاره، ولكن النظرة الفاحصة والمحللة تكشف عن حقيقة مؤسفة، لامهرب من الإقرار بها، إنها تكشف عن تعليم موازٍِ ممايز عميق الطبقية يمثل مسرحية عبثية هزلية، قد صيغت مشاهدها بمهارة فائقة.
وتعد المدارس الدولية (الإنترناشونال) أخطر مشاهدها على مستقبل الوطن، ولعل قضية تدريس مادتي (اللغة العربية) و (التاريخ) كمادتين أساسيتن مضافتين للمجموع الكلي لطلاب الشهادات الدولية (IGCSE)، والدبلومة الأمريكية بنسبة (10%) لكل مادة منهما، بواقع (20%) من المجموع الكلي، أبرز القضايا الفاضحة لدوافع هذه المدارس.
فقد واجه أمور طلابها، ومن ورائهم المستثمرون بها هذا القرار، باللجوء للقضاء الإداري مطالبين بإلغاء القرار!!. فكيف لأبنائهم أن تنشأ ألسنتهم على لغتهم القومية وأن يفهموا تاريخ وطنهم؟!!, فذلك من وجهة نظرهم ينتقص من صورتهم الاجتماعية بوصفهم طبقة أخرى من المصريين مدفوعين بغرور الثراء الفاحش ومستندين على قوى المجتمع العميق النافذ.
.
ومع أن القرار قد تم إلغاؤه جزئيا إذ طعنت وزارة التعليم على قرار المحكمة، وأصبح أمر هذا القرار محل تنازع بين الطرفين، مما أدى إلى إيقاف القرار مؤقتا، وهو ماجعل القرار النهائي معلقا.
وهذا يكشف بوضوح نفاذ سطوة هذه المدارس في بلد عربي أصيل، وله تاريخ لايضاهيه تاريخ بلد آخر في العمق والعراقة.
إن توغل هذا التعليم في مصر وطول أيدي المنتمين إليه،يثير الارتياب الشديد والمصير المخيف لمستقبل الوطن وتماسكه الاجتماعي الذي يعاني مايعانيه من طعنات نافذة دامية، فماذا ينتظر الوطن من أبنائه الذين تربوا وفق عادات وتقاليد غربية مُنبَتت الصلة بالمصريين، ووفق ثقافات دخيلة تكرس للطبقية والتعالي وتمزيق الرأي العام الوطني، وإضعاف الانتماء الذي يمثل عصب الوطنية.
إنهم يسعون إلى ركل تاريخ الوطن بأقدامهم نحو ركن قصي منزو والإجهاز على اللغة القومية التي تتجلى فيها عروبة مصر وحبل اتصالها المتين بسائر أشقائها على الخريطة العربية، وبينما يقع ذلك على لغتنا الأم وتاريخنا العريق، ففي الوقت نفسه نجد هذا الكيان الصهيوني المزروع في جوارنا قد سعى حثيثا لإحياء لغة قد ماتت، واختراع تاريخ ملفق، وسردية مكذوبة من سطرها الأول إلى سطرها الأخير
فهل بعد ذلك وفي هذه اللحظة المأزومة، التي نواجه فيها قوى الشر التي تتربص بنا من كل جانب وكيان صهيوني يريد أن يقتلعنا من جذورنا، ليتحرك في فضاء اجتماعي تؤهله هذه المدارس ليكون هشا في انتمائه للغته وتاريخه، فيسهل عليه التسلل والتمدد في أعمق أعماق الوطن! فهلا انتبهنا!!!؟
وماذا نحن فاعلون إزاء هذه الحروب غير المرئية على مستقبل وطن قدره التاريخي أن يبقى في الأمام على خط النار مواجها أطماع المستعمرين ابد الدهر؟!. ومن ثم يجدر بنا المبادرة إلى تعليم موحد في مناهجه يؤكد على قوميتنا وتاريخنا ولغتنا وعاداتنا وتقاليدنا في مدارسنا الحكومية والخاصة والدولية على السواء.