في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والدبلوماسية العربية، غابت دول عربية بارزة، على رأسها المغرب والإمارات، عن البيان المشترك لرفض الاعتراف الإسرائيلي بما يسمى “أرض الصومال”.
هذا الغياب أعاد إلى الواجهة تساؤلات عدة حول الحسابات السياسية للدول العربية، و التوازنات الاستراتيجية في ملفات القرن الإفريقي، وتأثير ذلك على الأمن القومي العربي وممراته الحيوية مثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، مروراً بالقناة السويس، هل يعكس الغياب سياسة دبلوماسية محسوبة أم بداية شرخ خطير في المنظومة العربية؟
الموقف المغربي.. براغماتية وواقعية
قال خالد الشيات، سياسي مغربي وخبير في العلاقات الدولية إن تقييم المواقف المختلفة للدول العربية تجاه الاعتراف الإسرائيلي بما يسمى “أرض الصومال” يحتاج إلى فهم السياقات السياسية والدبلوماسية لكل دولة، بعيدًا عن مجرد المحاسبة أو إصدار أحكام سريعة.
وأوضح الشيات لـ” القصة” أن هناك من فسر غياب بعض الدول عن البيان العربي المشترك، بما في ذلك المغرب والإمارات، على أنه نوع من المؤامرة التي تتماشى مع مواقف الكيان الإسرائيلي، فيما يرى آخرون أن غيابها يعكس حسابات سياسية دقيقة لا يمكن اختزالها في موقف واحد.
وأشار الشيات إلى أن الموقف المغربي، منذ أكثر من عقد، يتسم بطابع البراغماتية والواقعية في التعامل مع الملفات الإقليمية، ولا سيما في ما يتعلق بالقرن الإفريقي والقضايا التي تتقاطع مع مصالح المغرب الاستراتيجية، وأكد أن المغرب يتبع منهجية تراعي المصالح الاستراتيجية و الارتباطات الدولية، ولا يتخذ مواقف سريعة يمكن أن تترتب عليها تكاليف سياسية أو استراتيجية كبيرة، سواء على صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة أو مع إسرائيل.
غياب موقف واضح.. حسابات مقابل مخاطر
وأوضح الشيات أن غياب موقف مغربي حازم أو ظاهر تجاه الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال لا يعني بالضرورة تأييدًا أو رفضا صريحاً، بل يعكس سياسة المغرب في تقييم المكاسب مقابل المخاطر، وإدراكه للتداعيات المحتملة لأي موقف.
وأكد أن المغرب يتعامل مع الملفات الدولية بعقلانية، مع الأخذ في الاعتبار التوازنات السياسية والاقتصادية، كما يتضح من مواقفه في الأزمات الدولية السابقة، ومنها الأزمة الأوكرانية الروسية.
وأضاف الشيات أن البيانات الجماعية التي تصدرها الدول العربية قد تكون تعبيراً عن التضامن أو موقف واضح تجاه قضية معينة، إلا أن هذه البيانات لا تعكس بالضرورة موقفا مغلقا ونهائيا لكل دولة على حدة.
وأشار إلى أن المغرب، مثل دول أخرى، قد يفضل السياسة الدقيقة والمحسوبة في التعبير عن موقفه، خصوصًا في قضايا معقدة مثل الصومال، الذي يعاني من أزمة داخلية عميقة، ويخضع لتأثيرات قوية من قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين والولايات المتحدة، إلى جانب الدور الأوروبي والإقليمي.
المغرب يوازن بين المصالح الوطنية والمنافع الاستراتيجية
وأردف الشيات قائلاً إن المغرب يوازن بين المصالح الوطنية والمنافع الاستراتيجية، ويقيم كل خطوة وفقًا لما يمليه الواقع السياسي والاقتصادي، وليس وفق تصورات مسبقة أو ضغوط خارجية.
وأضاف أن هذا النهج يفسر، جزئياً، غياب المغرب عن البيان العربي المشترك، وهو موقف ينبع من تقييم دقيق للمخاطر والعوائد، وليس من موقف سلبي تجاه القضية أو تجاه التضامن العربي.
المغرب يلتزم بالمصالح الوطنية أولاً.. ويعتمد على سياسة التحفظ الدبلوماسي
واختتم الشيات حديثه قائلاً: بالتأكيد على أن المغرب يلتزم بالمصالح الوطنية أولاً، ويعتمد على سياسة التحفظ الدبلوماسي المدروس عند التعامل مع القضايا الإقليمية الحساسة، بما يضمن حماية مصالحه، والحفاظ على التوازن بين الشراكات الدولية والالتزامات الإقليمية.
وأكد أن أي قراءة للموقف المغربي يجب أن تراعي هذا الإطار، وأن الغياب عن البيانات الجماعية ليس مؤشراً على موقف واضح من القضية، بل تعبير عن سياسة دبلوماسية محسوبة تتعامل مع التحديات الدولية بحذر واستراتيجية.
خلل في المنظومة العربية
من جانبه قال مختار غباشي المحلل السياسي، إن في ظل غياب دول مثل الإمارات والمغرب في رفض الاعتراف بدولة الصومال وعدم إرادتهم أن يكونوا ضمن البيان المندد للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وإحداث شرخ فى دولة الصومال وتأثير ذلك على البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، وتأثير ذلك على قناة السويس، فنحن أمام مشكلة كبيرة، وذلك يعطي انطباعا أن هناك خللا في منظومة العمل العربي، ومن الضروري معالجة هذا الخلل سريعًا وإلا قد يؤدي ذلك إلى انهيار واقع العالم العربي وما نتابعه اليوم باليمن من ضرب عسكريه لميناء المدله والخلافة السعودي الإماراتي داخل اليمن فاضح وكاشف للعوار العربي موجود.
العالم العربي بمجمله يفتقد إلى عنصر مهم جدا وهو هويته
وأشار غباشي لموقع ” القصة” إلى أن العالم العربي بمجمله يفتقد الى عنصر مهم جدا وهو هويته ويفتقد الى آليه مهمه جدا وهي آلية العلم العربي المشترك، ولذلك نرى دول العالم العربي بدات تحسب ارتباطها بقوه إقليمية و بقوة دوليه على مقدرات العالم العربي، إذ هناك خلل في منظومه العالم العربي ومن الضروري العمل على تصليح هذا الخلل.
خصوصية علاقات المغرب والإمارات
وأضاف غباشي، أن المغرب والإمارات لهما خصوصية علاقة بـ إسرائيل ولهم حساباتهما في هذا السياق، والمفترض أن ملك المغرب يرأس لجنة القدس، ولذلك من المفروض أن يكون أكثر حرصا على أن يكون هناك توافق عالمي عربي، للضغط على الكيان الإسرائيلي، لكي يستطيع أن يوقف مسألة تحويل المسجد الأقصى ومحيطه أو الإجراءات التي تتخذها إسرائيل، سواء في الضفة الغربية أو المجازر التي ترتكبها في قطاع غزة، ولكن من الواضح حسابات المصالح والعلاقات الثنائية تطغى على الحساب الجماعي لمنظومة الأمن القومي العربي، وهي تلك المشكله التي نراها في القضية الفلسطينية، ونراها في السودان واليمن وكثير من الدول في العالم العربي.
القضية الصومالية يجب أن ترى ظهيرا عربيا
واختتم غباشي قائلا: الصومال ليس له حالة خاصة، فهي حالة ضمن أي حالة من الحالات العالم العربي، ولكن خصوصية حالة الصومال هي موقعه الاستراتيجي وأنه ضمن القرن الإفريقي ومطل على البحر الأحمر جعل لها وضعا مهما وخاصا، وأن القضية الصومالية واجب أن ترى ظهير عربي، حتى تستطيع أن تكون لهذه الدولة قوة وتماسك في ظل الخلاف الإثيوبي أو الطمع الإثيوبي فى الصومالي.
مضيفاً أنه في ظل الخلاف الذي تم مما يسمى بأرض الصومال وارتباطه بالكيان الإسرائيلي والتأثير ذلك على منظومة الأمن القومي الصومالي ومنظومة الأمن القومي العربي، إذن الصومال ليس حالة خاصة، هو حالة ضمن حالات العالم العربي فالعالم العربي في أهون حالاته ويعيش في حاله شتات صعبة جدا على مقدراته.
توازن المصالح أم بداية شرخ؟
غياب المغرب والإمارات عن البيان العربي المشترك يفتح الباب أمام تحليلات متعددة بين من يراه سياسة دبلوماسية محسوبة وبين من يعتبره مؤشراً على خلل في المنظومة العربية، ما يظهر جليا هو أن التوازن بين المصالح الوطنية والحسابات الإقليمية والدولية، ما زال يشكل حجر الزاوية في سياسة الدول العربية الكبرى، فيما يبقى المستقبل السياسي لمنطقة القرن الإفريقي، وخاصة الصومال، مرتبطاً بمدى قدرة العالم العربي على توحيد جهوده ومواجهة التحديات المشتركة.