الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خرج بتصريح صادم: “أوروبا لن تتأثر بأي تهديد، سواء من أوكرانيا أو حتى من مناطق استراتيجية مثل جرينلاند”، خطاب يبدو قويا، لكنه يفتح الباب للتساؤل: هل أوروبا حقا قادرة على الاستقلال عن واشنطن وروسيا؟
خبراء دبلوماسيون وعسكريون يؤكدون لـ”القصة” أن الطموح الأوروبي نسبي ووظيفي، لا قطيعة كاملة، أوروبا لا تزال تعتمد على الناتو والقدرات الأمريكية، و تحركاتها في مناطق مثل القطب الشمالي رمزية أكثر منها عملية.
بين طموح ماكرون، و فلاشات ترامب المثيرة للجدل، وتحذيرات الخبراء، يبقى السؤال: هل نحن أمام أوروبا قوية وفاعلة، أم مجرد شعار سياسي في عالم متغير متعدد الأقطاب؟
تحول نوعي في السياسة الأوروبية
قال السفير محمد حجازي، الخبير الدبلوماسي، إن تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن السيادة الاستراتيجية الأوروبية تعكس تحولا نوعياً في التفكير السياسي داخل الاتحاد الأوروبي، من كونه فاعلا اقتصادياً مندمجا في النظام الليبرالي العالمي، إلى كيان يسعى لامتلاك قدرة ذاتية على القرار، خاصة في ظل تصاعد الضغوط التجارية، و تسييس الأمن، وتآكل اليقين في استدامة المظلة الأمريكية التقليدية.
وأوضح لـ”القصة” أن خطاب ماكرون، على قوته الرمزية، لا يعكس حتى الآن وحدة أوروبية كاملة، بقدر ما يكشف عن رغبة قيادية فرنسية في دفع الاتحاد إلى مرحلة جديدة من النضج الاستراتيجي، تكون فيها أوروبا أقل عرضة للابتزاز، وأكثر قدرة على حماية مصالحها دون الارتهان لحليف واحد، حتى وإن كان هذا الحليف هو الولايات المتحدة.
الاستقلال الأوروبي.. نسبي ووظيفي
وأشار إلى أن الحديث عن “الاستقلال” الأوروبي ينبغي فهمه بوصفه استقلالا نسبيا و وظيفيا، لا قطيعة استراتيجية. ففي المجال التجاري، يمتلك الاتحاد الأوروبي بالفعل أدوات تكمنه من بناء قدر معتبر من الاستقلال، سواء عبر سياساته الصناعية، أو تشريعات حماية السوق، أو تنويع الشراكات العالمية.
وأضاف “حجازي” أن الواقع الدفاعي أكثر تعقيداً، فاعتماد أوروبا على حلف شمال الأطلسي، وعلى القدرات الأمريكية تحديدا، لا يزال جوهرياً في مجالات الردع النووي، والاستخبارات، والنقل الاستراتيجي. وعليه، فإن الطموح الأوروبي لا يتمثل في استبدال الناتو، بل في إعادة التوازن داخله، بحيث تصبح أوروبا شريكا أكثر ندية لا تابعا أمنياً.
الإجراءات المضادة تمثل نقلة نوعية
وأشار “حجازي” إلى أن مواجهة ما تصفه باريس بـ”الابتزاز التجاري” طور الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة ترسانة قانونية متقدمة، أبرزها “آلية مكافحة الإكراه” التي تتيح فرض إجراءات مضادة على الدول التي تستخدم التجارة أو الرسوم أو العقوبات كأدوات ضغط سياسي. وهذه الآلية تمثل نقلة نوعية، إذ تنقل الاتحاد من موقع الدفاع إلى الرد المنظم والمؤسسي.
و أضاف أن تفعيل هذه الأدوات يظل رهينا بالإجماع السياسي، وهو ما يفسر التردد الأوروبي في استخدامها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة، الشريك التجاري الأول و الحليف الأمني الأهم في آن واحد.
الطموح الأوروبي مقابل واشنطن
وأوضح أن السعي نحو استقلال أوروبي أكبر يثير تساؤلات حول مستقبل الناتو، لكنه لا يعني بالضرورة إضعافه، بل إن الخطر الحقيقي يكمن في سوء الفهم المتبادل: أن ترى واشنطن في الطموح الأوروبي تهديداً لدورها، أو أن تنظر بعض الدول الأوروبية إلى الاستقلال باعتباره بديلا كاملا عن التحالف الأطلسي.
و أضاف أن الأرجح أن يشهد الناتو مرحلة إعادة تعريف للأدوار، حيث تتحمل أوروبا مسؤوليات أكبر في محيطها الجغرافي، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بدورها القيادي العالمي، في علاقة أكثر توازنا وأقل اختلالا.
تصريحات ماكرون لا تضمن ردا أوروبيا موحدا
وأشار إلى أن تصريحات ماكرون، مهما بلغت قوتها، لا تضمن ردا أوروبيا موحداً تلقائياً، فهي توفر القيادة السياسية والخطاب الجامع، لكنها لا تلغي حقيقة أن الاتحاد يضم دولا ذات مصالح، وتاريخ، وحسابات أمنية متباينة، الرد الموحد يحتاج إلى آليات مؤسسية مرنة، وربط السيادة الأوروبية بمكاسب ملموسة لكل دولة عضو.
وأكد أن ماكرون يواجه معارضة سياسية وشعبية تشكك في كلفة المواجهة مع الولايات المتحدة، وفي جدوى تحمل أعباء سيادة استراتيجية قد تترجم إلى تضخم أو فقدان فرص تجارية، لذا فإن دعواته تحظى بدعم قوي داخل النخب السياسية والمؤسسات الأوروبية، لكنها لا تزال بحاجة إلى شرعية شعبية أوسع.
جرينلاند والقطب الشمالي.. إعادة رسم خرائط النفوذ
وأشار “حجازي” إلى أن أزمة جرينلاند تسلط الضوء على القطب الشمالي كساحة تنافس جيوسياسي متصاعد، اهتمام واشنطن بالمنطقة يضع ضغوطا مباشرة على السيادة الدنماركية، ويكشف هشاشة الحضور الأوروبي في مناطق استراتيجية خارج التركيز التقليدي. فبالنسبة لأوروبا، تمثل غرينلاند اختباراً لقدرتها على حماية مصالح أعضائها، وعلى التفكير في الأمن من منظور جغرافي أوسع.
وأوضح أن ربط ملف أوكرانيا بالتهديدات التجارية الأمريكية يضع الاتحاد الأوروبي أمام معادلة شديدة الحساسية: كيف يحافظ على دعمه لكييف دون أن يتحول هذا الدعم إلى أداة ضغط اقتصادي عليه. هذا الربط قد لا يغير الموقف الأوروبي من روسيا، لكنه قد يدفع إلى إعادة ضبط أدوات الدعم وتوزيع أعباء بشكل أكثر توازنا.
توترات محتملة في العلاقات الأمريكية–الأوروبية
واختتم قائلاً: على المدى القصير، من المرجح أن تشهد العلاقات الأوروبية–الأمريكية توترات تفاوضية ورسائل ضغط متبادلة، أما على المدى الطويل، فإن نجاح أوروبا في بناء قدر من الاستقلال النسبي قد يقود إلى شراكة أكثر نضجا، تقوم على توازن المصالح لا على التبعية.
وأشار إلى أن ماكرون حول السيادة الاستراتيجية ليس إعلان قطيعة مع الولايات المتحدة، بل محاولة لإعادة صياغة العلاقة معها من موقع أكثر توازنا، نجاح هذا المشروع مرهون بقدرة أوروبا على تحويل الطموح السياسي إلى أدوات تنفيذية، وبناء إجماع داخلي، وإدارة دقيقة للعلاقة مع واشنطن.
السياسة تتغير حسب الظروف والقوة
وقال اللواء محمود زاهر، الخبير الأمني، لـ “القصة” إن السياسة تتغير وتقل وتزداد حسب الظروف والقوة، وتحتوي على المكر، وأن التصريحات قد لا تكون حقيقية، ولكن يتم استنتاج الأهداف منها.
وأكد “زاهر” أن الغرض من التصريحات هو التأكد من الوقت المناسب للاستحواذ على ثروات أو مناطق استراتيجية، والسياسة تعتمد على الموقع والقدرة على التحرك.
ترامب والمؤسسات الأمريكية
و أضاف أن ترامب يتحدث بغض النظر عن المؤسسات الأمريكية، وأن من الضروري فهم قدرة هذه المؤسسات على التحرك والسيطرة على الموارد، بما فيها الطاقة والمعادن النادرة.
وأشار إلى ضرورة الحكم على السياسة وفق القوانين الدولية، وأن ما يحدث الآن لا يتوافق مع هذه القوانين، مما يخلق تفاوتا بين القوى القوية والضعيفة، وأوضح أن حديث ماكرون عن استقلال أوروبا يتأثر بخياله السياسي، فهو لا يستطيع البعد عن أمريكا، والاتحاد الأوروبي لا يمكنه مواجهة روسيا والصين بمفرده.
روسيا وأوكرانيا
وأكد “زاهر” أن روسيا لم تبغ على أوكرانيا، وأن الحرب الحالية جزء من صراع جغرافي وسياسي داخلي، بعكس إسرائيل التي تتوسع في مناطق محددة بالقوة.
وأضاف أن الولايات المتحدة لا تستطيع ضرب إيران بسهولة، وأن التصريحات الأمريكية غالباً تهدف إلى التجريب والفلاش السياسي، وليس العمل الفعلي.
جرينلاند.. قارة استراتيجية
وأشار إلى أن جرينلاند ليست جزيرة صغيرة كما يعتقد الكثيرون، بل تمثل قارة استراتيجية، وأن التحركات الأمريكية تهدف لاستكشاف الفرص وتحويلها إلى سياسات فعلية عند توافر الأرض الخصبة.
واختتم قائلاً: إن الفيصل هو مدى جاهزية الدول لتنفيذ أي عمل عسكري محسوب، وليس مجرد تصريحات إعلامية أو سياسية، مشيراً إلى أن هناك فرقاً بين الفلاش السياسي والخطط التنفيذية الواقعية، وأن الهدف من التصريحات غالباً استعراض القوة أو الترهيب العالمي.
تصريحات ماكرون بلا قيمة فعلية
ومن جانبه، قال طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية لـ”القصة”، إن تصريحات ماكرون غالباً للاستهلاك الإعلامي وليست ذات مردود فعلي، ولا تغير من الواقع الأوروبي.
وأكد البرديسي أن أوروبا لا تمتلك استقلالية دفاعية حقيقية، وأن الدول الأوروبية متباينة المصالح، والرسوم الجمركية والتهديدات الاقتصادية لا يمكن تطبيقها بشكل موحد.
الناتو يعتمد على الولايات المتحدة
وأوضح أن الناتو يعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة، خصوصًا في القطب الشمالي، وأن رغبة أوروبا في الاستقلال تضع الحلف في موقف صعب.
وأشار إلى أن أي تحركات أوروبية في جرينلاند رمزية ولا تؤثر على التوازن الاستراتيجي أمام الولايات المتحدة.
فرنسا لا تستطيع اتخاذ خطوات حاسمة
واختتم قائلاً: “إن فرنسا لا تستطيع تنفيذ خطوات عسكرية حاسمة، وكل ما يمكن فعله هو إقامة شراكات استراتيجية واقتصادية مع الدول الأوروبية والصين حسب الإمكانيات المتاحة”.