بعد عامين من الحرب الإسرائيلية على غزة، تغيّر المشهد تمامًا، فما بين اتفاقات سلام معلنة سابقا ومصالح اقتصادية مشتركة، كانت إسرائيل تراهن على أن الطريق إلى الشعوب العربية أصبح مفتوحًا، لكن الدم الذي سال في غزة، أعاد رسم الوعي وأيقظ جيلًا جديدًا يرى في التطبيع خيانة لا صفقة.
في الشارع العربي، وفي الجامعات، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، عاد صوت فلسطين أقوى مما كان، تغيّر المزاج الشعبي، وتبدلت المعادلات، وبينما تستمر بعض العواصم في علاقاتها الرسمية، يغلي الرأي العام من الداخل.
انهيار الرهانات
في عام 2020، ومع توقيع “اتفاقات أبراهام” بدا وكأن صفحة جديدة تُفتح في العلاقات العربية الإسرائيلية.
تصريحات متبادلة، ولقاءات علنية، واستثمارات بمليارات الدولارات، وإسرائيل تصورت أن الحرب انتهت، وأن التطبيع صار حقيقة لا رجعة فيها.
لكن ما حدث في غزة بعد أكتوبر 2023 قلب الطاولة،صور الأطفال، والمستشفيات، والدمار الهائل، خلقت موجة غضب غير مسبوقة في الشارع العربي، حتى في الدول التي وقّعت اتفاقات سلام، ارتفعت أصوات الرفض الشعبي، وظهرت حملات مقاطعة لكل ما له صلة بإسرائيل.
الوعي قبل الموقف
التحول الأهم لم يكن في المواقف السياسية فحسب، بل في مستوى الوعي الشعبي، خصوصًا بين الشباب، فجيل لم يعش حروب 1948 أو 1967 أو حتى انتفاضات الأقصى، أصبح اليوم يعيش الحرب لحظة بلحظة عبر الشاشات، ومواقع التواصل الاجتماعي كسرت الحواجز، وصارت صور القصف والدمار تصل إلى كل بيت، لتغذي شعورًا جماعيًا بأن القضية لم تمت.
يقول الدكتور ياسر عبد العزيز، الخبير الإعلامي، إن التغطية الإعلامية العربية لحرب غزة حملت عنوانين أساسيين: التشوش والانقسام. ويُوضح أن المشهد الإعلامي لم يشهد إجماعًا عربيًا تقليديًا كما كان في الماضي، بل تباينت المواقف بين من اعتبر حركة حماس “مقاومة شريفة” تواجه آلة الحرب الإسرائيلية، ومن رأى أنها “حركة ارتكبت أخطاء فادحة” وأدخلت غزة في دائرة الدم مجددًا.
ويضيف في تصريح خاص لـ “القصة”، أن هذا التباين في الخطاب الإعلامي خلق حالة من الارتباك لدى الجمهور العربي، فكل وسيلة إعلام تبنّت روايتها الخاصة وقدّمت براهينها، ما أدى إلى انقسام المتابعين بين مؤيد ومعارض، رغم اتفاقهم جميعًا على نقطة مركزية واحدة: رفض جرائم إسرائيل، والتعاطف العميق مع ضحايا غزة.
مشروع إعلام التطبيع.. لم يفقد بريقه بعد
أما عن تأثير الحرب على مشروع “إعلام التطبيع”، فيؤكد عبد العزيز أنه لم يفقد بريقه بالكامل.
فبحسب قوله، “نحن الآن في مرحلة مشحونة بتداعيات حرب غزة، لكن بعد تسوية آثارها، ستعود بعض الجهات الإعلامية لمحاولات إعادة صياغة الخطاب التطبيعي، وإن كان ذلك بوتيرة أبطأ وحذر أكبر”.
ويرى أن التطبيع الإعلامي لا يموت، بل يتكيّف مع الواقع السياسي، مشيرًا إلى أن المستقبل سيكشف ما إذا كانت صدمة غزة ستُعيد تشكيل أولويات الإعلام العربي، أم أنها مجرد محطة عابرة في مسار طويل من التجاذبات بين الموقف الشعبي والسياسة الرسمية.
وعي جيل جديد
في المقابل، يرى كثير من الشباب أن القضية الفلسطينية لم تعد “قضية جيل قديم”، بل أصبحت جزءًا من وعيهم اليومي.
تقول مريم خالد، طالبة بكلية الإعلام، إن “اللي حصل في غزة غير نظرتنا تمامًا، بقينا نحس إن التطبيع مش مجرد سياسة، ده موقف أخلاقي. حتى في الجامعة بقى في رفض واضح لأي نشاط أو تعاون مرتبط بإسرائيل”.
ويضيف أحمد رمضان، أحد مؤسسي حملة طلابية لمقاطعة الشركات الداعمة لإسرائيل، أن “الجيل الجديد بيعبّر عن رفضه بطريقته، سواء من خلال السوشيال ميديا أو المقاطعة أو التبرعات، ومش محتاج توجيه سياسي علشان يعرف إن اللي بيحصل في غزة ظلم”.
عالم عربي مأزوم
يقول الدكتور مختار غباشي، نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن المشهد العربي بعد عامين من الحرب الإسرائيلية على غزة ما زال مأزومًا، موضحًا أن “العالم العربي يفتقد إلى رؤية موحدة أو إرادة جماعية في التعاطي مع الأزمات، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي تظل جوهر الصراع في المنطقة.
ويشير “غباشي”، في تصريح خاص لـ “القصة”، إلى أن غياب وحدة الهدف والمصير جعل الدول العربية عاجزة عن استخدام أوراق الضغط المتاحة لديها، سواء في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية أو في كبح السياسات الإسرائيلية، مضيفًا أن ما تحقق من تهدئة أو إدخال مساعدات إنسانية هو نجاح مصري بالأساس، لكن إسرائيل ما زالت تمارس التعنت وتواصل جرائمها في غزة دون رادع.
ويضيف أن مشروع التطبيع لم يفشل سياسيًا بعد، بل يمر بمرحلة “هدوء تكتيكي”، موضحًا أنه “لو كانت الدول التي طبّعت مع إسرائيل تنوي التراجع عن التطبيع لفعلت ذلك أثناء المجازر، لكنها لم تفعل، وبالتالي لا يمكن القول إنه انهار، بل ما زال قائمًا ضمن واقع عربي مأزوم يفتقد للاتساق والتأثير”.
الدبلوماسية والعقلانية.. حسابات مختلفة
ورغم هذا الرفض الشعبي، لم تتراجع معظم الحكومات العربية رسميًا عن علاقاتها بإسرائيل، بينما تحتفظ الإمارات والبحرين والمغرب بخطوط اتصال مفتوحة، فيما تتجنب دول أخرى التصعيد المباشر، والمنطق الرسمي يراهن على الاستقرار الإقليمي والمصالح الاقتصادية، بينما يرى الشارع أن التطبيع في ظل الدم جريمة أخلاقية.
بينما تتحدث البيانات عن اتفاقيات، يتحدث الناس عن صور الضحايا، والوعي الجمعي أصبح أكثر حساسية لأي شكل من أشكال التعاون مع إسرائيل، حتى لو كان في مجالات بعيدة عن السياسة.
المستقبل.. بين الواقعية والغضب
هل يعني ذلك أن مشروع التطبيع قد مات؟
ربما لا، لكن المؤكد أنه لم يعد كما كان.
الجيل الجديد في العالم العربي يرى القضية الفلسطينية كجزء من كرامته، لا مجرد شأن سياسي بعيد.
وكلما زادت معاناة غزة، ترسّخت فكرة أن التطبيع في زمن الدم مستحيل.
المعادلة تغيّرت:
الدولة تُفكر بالعقل، والشعب يتحرك بالقلب،
وبينهما تقف إسرائيل، في عزلة صنعَتها بيدها.