تتأثر اقتصادات العالم، بلا استثناء، في أوقات الأزمات والحروب، وترتفع كلفة المعيشة نتيجة اضطراب الأسواق العالمية وارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد.
لكن الأزمة الحقيقية لا تكون فقط في ارتفاع الأسعار، بل في شعور المواطن بأنه الطرف الوحيد الذي يدفع الفاتورة.
القرارات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة جاءت في إطار محاولة مواجهة تداعيات الحرب وما تفرضه من ضغوط اقتصادية. ومع خروج ما يُعرف بالأموال الساخنة من الأسواق الناشئة، اختل ميزان العرض والطلب على العملة الأجنبية، ما أدى إلى ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات في السوق المحلي.
لكن المشكلة التي يلمسها المواطن في الشارع لا ترتبط فقط بالعوامل الاقتصادية الكبرى، بل تتعلق أيضًا بحالة الانفلات السعري والتلاعب بالأسعار، التي أصبحت سمة متكررة في الأسواق منذ سنوات، في ظل ضعف الرقابة الفعلية على السلع. فالتاجر، في كثير من الأحيان، يرفع الأسعار قبل أن تصل إليه أي زيادة حقيقية في التكلفة، مستغلًا حالة القلق والتوقعات بارتفاعات جديدة.
وبعد قرار رفع أسعار المشتقات البترولية، فإن موجة جديدة من ارتفاع الأسعار باتت واقعًا ملموسًا، وأصبحت عبئًا إضافيًا على كاهل المواطن الذي يعاني بالفعل من ضغوط معيشية متزايدة.
فما إن يتحرك سعر الدولار أو البترول، حتى تتسارع جميع السلع والخدمات إلى الزيادة، ويُفتح الباب على مصراعيه أمام جشع بعض التجار.
والمصيبة الكبرى أن زيادة الأسعار تكون متفاوتة من مكان لآخر، دون رقابة حقيقية على الأسواق. فمن يحمي المواطن؟
الحكومة، من جانبها، تحاول تخفيف هذه الأعباء من خلال حزمة من الإجراءات، من بينها الإعلان المرتقب عن رفع الحد الأدنى للأجور خلال أيام، إلى جانب ترشيد النفقات داخل الجهات الحكومية وتقليل أوجه الإنفاق غير الضرورية. وهي خطوات قد تسهم في التخفيف نسبيًا من حدة الضغوط الاقتصادية.
غير أن هذه الإجراءات لن تحقق تأثيرها الكامل دون وجود رقابة حقيقية على الأسواق. فالمعركة مع الغلاء لا تُحسم فقط بالقرارات الاقتصادية، بل تحتاج إلى تنفيذ صارم على أرض الواقع.
وهنا يبرز الدور المحوري لوزارة التموين، التي يقع على عاتقها ضبط الأسواق ومنع التلاعب بالأسعار. فالمطلوب اليوم ليس مجرد بيانات أو اجتماعات داخل المكاتب، بل حملات تفتيش فعلية في الشوارع والأسواق، ومواجهة حاسمة لكل من يستغل الأزمات لتحقيق أرباح غير مشروعة.
إن المواطن يدرك جيدًا أن الأزمات العالمية تفرض تحديات صعبة، لكنه في الوقت نفسه ينتظر عدالة في توزيع الأعباء، حتى لا يشعر أنه وحده من يتحمل ثمن كل أزمة. فالأسواق المنضبطة والرقابة الصارمة هما خط الدفاع الأول لحماية المواطن من فوضى الأسعار، وضمان ألا تتحول الأزمات إلى فرصة للبعض على حساب معاناة محدودي الدخل.