بين مطرقة “جبهة الإسناد” وسندان “الأرض المحروقة”، يقف لبنان اليوم أمام لحظة مصيرية ففي وقت يرفض فيه أغلب اللبنانيين تحويل بلادهم إلى ساحة لحروب الآخرين، برزت مبادرة الرئيس اللبناني جوزاف عون كطوق نجاة أخير ليس فقط لوقف إطلاق النار، بل لقطع الطريق على مخططات إسرائيلية “خبيثة” تستهدف قضم الهوية والجغرافيا اللبنانية.
فما هي تفاصيل “منطقة ترامب” التي تخطط لها تل أبيب؟ وكيف يمكن للدبلوماسية أن تمنع سيناريو غزة؟
خارطة التقسيم.. من “الناقورة” إلى “منطقة ترامب”
يكشف محمد سعيد الرز، الكاتب والمحلل السياسي اللبناني في تصريحات خاصة لـ “القصة”، عن أبعاد المخطط الإسرائيلي الحالي، مؤكدًا أن إسرائيل لا تسعى فقط لمجرد حزام أمني، بل تهدف لاستقطاع شريط بري بعمق 10 كلم وطول 120 كلم، يمتد من الناقورة غرباً حتى سفوح جبل الشيخ شرقا.
وأكد الرز أن المفاجأة الصادمة تكمن في تقسيم هذا الشريط إلى نصفين، النصف الغربي وتحويله إلى ما يسمى بـ “منطقة ترامب الاقتصادية”، والنصف الشرقي، ومحاولة إقامة منطقة “حكم ذاتي للدروز” تضم مدناً سورية ولبنانية (السويداء، مرجعيون، حاصبيا، وراشيا).
وأوضح أن المخطط اصطدم بالرفض القاطع من كبار الزعماء الدروز “وليد جنبلاط وطلال أرسلان”، اللذين قطعا الطريق على أي محاولة لزرع الفتنة أو الانفصال عن النسيج الوطني.
مبادرة “السيادة الكاملة”.. السلاح بيد الدولة
في مواجهة هذا التاريخ الممتد من الاحتلال 18 عملية برية في 78 عاماً، يطرح الرئيس عون رؤية “تثبيت مقومات الدولة”، ويرى الرز أن المبادرة ترتكز على حصر قرارات الحرب والسلام والقوة العسكرية بيد الحكومة والجيش اللبناني وحدهما، مع البدء بمفاوضات رسمية تضمن انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي المحتلة وإطلاق سراح الأسرى.
وأشار إلى أن هذا التوجه الوطني يأتي مدفوعاً بصرخة الشارع اللبناني الذي لا يريد تكرار مأساة غزة، ويرفض أن يظل لبنان “صندوق بريد” لإيران أو أي قوى إقليمية أخرى، مع الحفاظ على عمقه العربي بعيداً عن الأجندات المشبوهة.
القاهرة.. ظهير “الشرعية” وسند “النازحين”
وأوضح أنه وسط هذا الزحام الدبلوماسي، برز الدور المصري كحائط صد عربي، مشيرًا إلى أن التحرك المصري الذي قاده الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية لم يقتصر على المساعدات الإنسانية لـ مليون و300 ألف نازح فحسب، بل حمل رسائل سياسية حاسمة تدعم انسحاب إسرائيل الفوري من كافة الأراضي اللبنانية، حصر السلاح بيد الشرعية اللبنانية، تصليب الوحدة الوطنية لمنع الفتنة الأهلية التي تراهن عليها تل أبيب.
وقال الرز: “لبنان أمام سباق مع الزمن، فإما أن تنجح مبادرة الرئيس عون في استعادة سيادة “الدولة” وتوفير غطاء دولي للمفاوضات، أو أن تجد البلاد نفسها ممزقة بين خرائط التقسيم الإسرائيلية ونيران الحروب بالوكالة”.
وتبقى الدبلوماسية هي الرصاصة الأخيرة في جعبة بيروت لتفادي مصير غزة.. فهل يسمع العالم صرخة “الشرعية” قبل فوات الأوان؟