«الحرية خاصية الإنسان، وعندما يفقدها يفقد جزءًا من إنسانيته».. بهذه الكلمات بدأ الأسير المحرر محمود العارضة حديثه لـ«القصة»، متذكرًا سنوات عمره الثلاثين التي قضاها بين جدران الزنازين الإسرائيلية، متنقلًا بين السجون والعزلة، وبين الأمل والإيمان بأن الحرية قادمة لا محالة.
البداية.. طالب يحمل المحراث بدل السلاح
يعود العارضة بذاكرته إلى البدايات قائلًا: كنت طالبًا في الصف العاشر، أساعد والدي في الزراعة، كنت أحب الأرض كثيرًا، أقود الجرار وأحرث الحقول، كنت أقول دائمًا إننا نحن عجول الأرض الذين حرثناها بدمنا وتعبنا، كنت مزارعًا بسيطًا، وكنت أتعلم وأحلم، لكنهم اعتقلوني وأنا في المدرسة.
لم تكن تلك المرة الأولى، فقد سبق أن اعتُقل عام 1992، وقضى أربع سنوات خلف القضبان بسبب نشاطه في انتفاضة الحجارة عام 1987، ثم أُفرج عنه في يناير 1996، لكنه ما لبث أن عاد إلى المقاومة، فاعتُقل مجددًا في سبتمبر من العام نفسه، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد و10 سنوات.
التحقيق.. وجحيم الضغط النفسي
يروي العارضة تفاصيل التحقيق القاسي داخل السجون الإسرائيلية، قائلًا: التحقيق عند الشاباك يعتمد على الضغط النفسي المتواصل، يمنعون النوم، يضعون الأسير في غرف ضيقة بإضاءة خانقة، ويستنزفونك معنويًا، القوة تُستخدم في حالات محدودة، لكن بعد 7 أكتوبر تغير كل شيء، رفعوا المنع عن استخدام القوة، وقتلوا المئات من الأسرى تحت التعذيب، اعترفوا بقتل عشرات، لكن الحقيقة أكبر من ذلك بكثير، التحقيق عندهم بطش منظم.
نفق الحرية.. حين تتحول الإرادة إلى نصر
يتحدث الأسير المحرر عن تجربة الهروب من سجن جلبوع عام 2021، التي شكلت نقطة فاصلة في تاريخه وتاريخ الحركة الأسيرة: كنا نعلم أن عملية الهروب سيكون لها أثر إعلامي كبير، لذلك كنت متوقعًا أن يتم إبعادي بعد الاعتقال من جديد، الاحتلال بنى صورة ضخمة حول القضية لأن الهروب كان صدمة لهم أمام مجتمعهم.
ويضيف بابتسامة يملؤها الفخر: نفق الحرية لم يكن مجرد نفق.. كان رسالة بأن الإرادة أقوى من الجدران كنا نعيش على الأمل، نؤمن أن المقاومة لن تتركنا، وأن الشعب الفلسطيني لا ينسى أبناءه، حاولت المقاومة مرات عديدة لتحريرنا، بعضها فشل وبعضها نجح، لكننا كنا على يقين أن الحرية قادمة.
الحياة خلف القضبان.. قراءة وأمل لا يموت
عن الحياة اليومية داخل السجن يقول العارضة: كل أسير يظن للحظة أن حياته توقفت، لكن الحقيقة أنك مطالب بأن ترفع وعيك كنت أستغل وقتي بالقراءة، تعلمت لغات، درست في الجامعة، كتبت أفكارًا كثيرة، السجن علمني أن الوقت إذا لم تملكه سيملكك.
وأردف بصوت مفعم بالإيمان: كنا نعيش على أمل الحرية، كنا على يقين أن الله لن يخذلنا، وأن هذه الأمة فيها من لا ينام على جرحها.
لحظة الحرية.. ومرارة الفقد
يصف العارضة لحظة الإفراج عنه قائلًا: كنت أتوقع الإفراج، لكني خرجت من العزل الانفرادي بحزن عميق، رأيت وجوهًا كثيرة ما زالت خلف القضبان، من بينهم القائد الكبير مروان البرغوثي، والقائد حسن سلامة وإبراهيم حامد، شعرت بغصة كبيرة لأن الحرية ناقصة ما دام إخوتي هناك.
ويضيف بصوتٍ متهدج: في الأيام الأولى بعد الخروج، كلما سمعت بابًا يُفتح أو يُغلق شعرت أنني ما زلت في السجن، الحرية جميلة، لكنها مؤلمة حين تتذكر من لم يذقها بعد.
عن الإعلام.. والبُعد الإنساني للقضية
يقول العارضة بوضوح: للأسف، نحن الأسرى كنا مقطوعين تمامًا عن الإعلام، لا تليفزيون، لا راديو، لا أي وسيلة تواصل حتى بعد خروجي لم أتابع الأخبار إلا لخمس دقائق فقط، الصحفيون يحاولون التواصل، لكني ما زلت أعيش حالة انفصال عن الواقع الخارجي.
وعن تعاطي العالم مع القضية الفلسطينية يعلق قائلًا: على المستوى الدولي هناك تعاطف، لكن ليس هناك فعل حقيقي لإطلاق سراح الأسرى، بعد طوفان الأقصى، المقاومة قدمت ما لم يقدمه أحد هذه الحرب كانت من أجل الأسرى، ومن أجل كرامة هذا الشعب.
الأخت والوطن.. وكتاب ينتظر النور
يتحدث العارضة بحرارة عن أسرته قائلًا: كنت دائمًا أفكر في أختي بغزة، كانت تعيش ظروفًا صعبة مع أولادها الثلاثة وزوجها، بعد الحرب انتقلت إلى مصر، وها أنا الآن هنا أراها وأتنفس شيئًا من الطمأنينة.
ويكشف عن مشروع كتابه قائلًا: كتبت تجربتي كاملة في كتاب، وهو الآن عند دكتورة فلسطينية في مصر، وإن شاء الله سيتم إصداره قريبًا.
رسالة إلى الأسرى.. وإلى العالم
يختتم العارضة حديثه بكلمات تهز القلب: رسالتي لإخواني الأسرى خلف القضبان: اصبروا، فالصبر زاد الأحرار، أعلم أن الزيارات ممنوعة، وأنكم محرومون من كل شيء لكن الله معكم، هذه القضية أقرب من أي وقت مضى إلى لحظة خلاصها التاريخي، هذه التضحيات لن تذهب سُدى بإذن الله.
ويضيف بثقة: نحن أصحاب قضية عادلة، وهي أعدل قضية في التاريخ، الحرية ليست مجرد خروج من السجن، بل هي استعادة لخاصية الإنسان التي سُلبت منه، ونحن حين خرجنا، أعدنا لأنفسنا نصف إنسانيتنا المفقودة.
في كل كلمة قالها محمود العارضة، يختبئ وجع وطنٍ وذاكرة وجيلٍ آمن أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، ثلاثون عامًا من القيد لم تكسر قلبه، ولا هزت إيمانه بأن الله لا يخذل الصابرين.
ومن مصر، حيث يقيم اليوم، يواصل العارضة كتابة فصول جديدة من نفق الحرية، ولكن هذه المرة، بالقلم لا بالمجرفة.