في بلدٍ اعتاد أن يرى الكرسي باعتباره غنيمة لا وظيفة، يبدو قرار التخلي الطوعي عن المنصب أقرب إلى الاستثناء النادر، لذلك فإن الالتزام بمبدأ “مدتين كفاية” ليس مجرد إجراء تنظيمي داخل حزب سياسي، بل رسالة أخلاقية وسياسية تتجاوز حدود التنظيم إلى المجال العام كله.
أن يعلن رئيس حزب سياسي التزامه بعدم الترشح لدورة ثالثة، رغم ما قد يملكه من رصيد أو قبول داخلي، هو فعل يستحق التوقف عنده. ليس لأن النصوص غير موجودة، بل لأن الإرادة غالبًا ما تغيب.
كم من قواعد ومدد “استثنائية” تحولت إلى قاعدة ممتدة؟ وكم من شعارات عن التداول سقطت حين اقتربت من اختبار الواقع؟
“مدتين كفاية” ليست مجرد رقم. إنها مبدأ. المبدأ الذي يقول إن المنصب تكليف مؤقت، لا امتداد شخصي. وإن احترام اللائحة الداخلية ليس التزامًا شكليًا، بل تعبير عن قناعة بأن تداول القيادة هو شرط صحة أي كيان سياسي.
المؤلم أن مرض التشبث بالكرسي لم يُصب السلطة وحدها، بل تسلل أيضًا إلى بعض دوائر المعارضة. فالمعارضة التي ترفع شعار تداول السلطة على مستوى الدولة، لكنها لا تمارسه داخل هياكلها، تقع في تناقض يضعف خطابها. وحين تتحول المواقع التنظيمية إلى امتيازات دائمة، يتراجع الأمل في تجديد الدماء، وتتآكل فكرة العمل الجماعي لصالح مركزية الأشخاص.
الحقيقة أننا لا نحتاج فقط إلى تغيير أسماء، بل إلى تغيير ثقافة. لقد تعبنا من الكراسي القديمة التي يلتصق بها أصحابها حتى تحترق — تحترق هي ويحترق معها المجال العام.
الكراسي التي لا يُغادرها أحد إلا مُكرها، أو بعد أن يكون الرصيد قد استُنزف، والثقة قد تراجعت.
نحن نريد كراسي “تيفال”.
كراسٍ لا يلتصق بها أحد.
كراسٍ يُجلس عليها لخدمة الناس، ثم يُغادرها صاحبها في موعده الطبيعي، دون التفاف على القواعد، ودون معارك حول البقاء.
نريد ثقافة سياسية تبدأ من أعلى موقع ثم ما دونه، وصولًا إلى أصغر موقع تنظيمي داخل أي حزب أو مؤسسة. ثقافة تؤمن بأن المنصب ليس قدرًا أبديًا، وأن التداول ليس تهديدًا للاستقرار، بل ضمانة له.
الكرسي الذي يُترك في موعده يكتسب احترامًا.
أما الكرسي الذي يُتمسك به حتى اللحظة الأخيرة، فيفقد هيبته قبل أن يفقد صاحبه موقعه.
القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على البقاء، بل في القدرة على المغادرة. المغادرة حين يحين الوقت، لا حين يُفرض الرحيل. وحين يُمارس هذا السلوك طوعًا، فإنه يرفع سقف التوقعات الأخلاقية من الجميع، ويضع معيارًا جديدًا: من يطالب بالديمقراطية عليه أن يبدأ بنفسه.
قرار الالتزام بمدتين فقط يبعث برسالة مهمة إلى الأجيال الجديدة. رسالة مفادها أن الطريق إلى القيادة ليس مغلقًا، وأن المواقع ليست حكرًا دائمًا على أسماء بعينها، مهما كانت خبرتها أو تاريخها. تجديد القيادة لا يعني إلغاء الماضي، بل استكماله بأدوات ورؤى جديدة.
وفي سياق يعاني فيه المجال العام من ضيق واضح، تصبح الممارسة الداخلية أكثر أهمية. فالأحزاب ليست مجرد لافتات، بل مدارس للممارسة السياسية. وإذا فشلت في بناء نموذج مصغر لما تطالب به على مستوى الدولة، فإن خطابها يفقد الكثير من صدقيته.
في هذا السياق، لا بد من توجيه الشكر بصدق للأستاذ مدحت الزاهد رئيس حزب التحالف الاشتراكي على اتساقه مع مبادئه، وعلى اختياره أن يُترجم شعار “مدتين كفاية” إلى ممارسة فعلية لا مجرد خطاب. الاتساق بين القول والفعل هو العملة النادرة في حياتنا السياسية، وأي نموذج يحترم كلمته يستحق التقدير.
لكن الأهم من القرار ذاته هو الرسالة التي يحملها: أن الكرامة السياسية ليست في طول البقاء، بل في حسن التوقيت. وأن المنصب، مثل أي موقع مسؤولية، له عمر طبيعي. إذا طال أكثر مما ينبغي، يبدأ في استنزاف صاحبه… ثم استنزاف المؤسسة نفسها.
الحقيقة البسيطة التي نتجنب قولها أحيانًا هي أن من يبقى طويلًا في مكانه يحترق هو والحلة معًا. يحترق رصيده المعنوي، وتضعف صورته، وتدخل المؤسسة في حالة جمود، حتى لو كانت النوايا طيبة. لا أحد أكبر من الموقع، ولا موقع يجب أن يتحول إلى قدر أبدي.
ولهذا، فالدعوة لا تتوقف عند حزب بعينه. بل هي دعوة لكل قيادات المجتمع المدني، في الأحزاب والنقابات والمؤسسات والمبادرات، أن تجعل من هذا الموقف مثالًا. أن تعرف متى تقول: كفاية. أن ترحل بكرامة. وأن تترك مساحة لوجوه مختلفة، وأفكار جديدة، وطاقات لم تُختبر بعد.
المجال العام لا يحتاج أبطالًا دائمين، بل يحتاج دورة حياة صحية للقيادة.
نحتاج كراسي لا تلتصق بأحد، ولا تتحول إلى مصدر احتراق بطيء.
فالذي يعرف متى يغادر يحفظ نفسه، ويحفظ تاريخه، ويحفظ المؤسسة من أن تحترق به ومعه.